لقد تمّ إنتقال المدونة بحلّتها الجديدة إلى الموقع الرسمي التالي بأدناه - يرجى من الأحباء زيارة الموقع من هنا :
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

لقد تمّ إنتقال المدونة بحلّتها الجديدة إلى الموقع الرسمي التالي بأدناه - يرجى من الأحباء زيارة الموقع من هنا :
ثم أمّا بعد:ـ
فإنّه يطيب لي أحبتي، بهذه الخواتيم المباركة علينا وعليكم وعلى المسلمين أجمعين، أن أرفق لكم ملف صغير وخفيف في تنزيله كبير وعظيم ورزين في محتواه.
يحتوي هذا الملف على سور المصحف الكريم كاملة بقرآءت متعددة لأكثر من ثمانين مقرئ عظيم الشهرة صدحت أصواتهم وملئت مسامع الناس في الكون من جهاته الأربعة: شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.. إذ قدموا من مختلف أرجاء المعمورة من اندونيسيا إلى مصر ومن السعودية إلى المغرب…:
إبراهيم الأخضر * أبو يوسف الخرخاشي * أبو بكر الشاطري * أحمد العلاقمي * أحمد علي العجمي * أحمد خليل شاهين * أحمد صابر * أحمد نعينع * أكرم عبد الله العلاقمي * الحرم المدني * الحرم المكي * الدوكالي محمد * العيون الكوشي * القارئ ياسين * توفيق الصايغ * خالد القحطاني * زكي داغستاني * سعد سعيد الغامدي * سعود الشريم * سعيد العبد الله * سعيد شعلان * سهل زين ياسين * شعبان محمود عبد الله * شيخ أبو بكر الشاطري * صابر عبد الحكم * صلاح أبو خاطر * صلاح البذير * عادل الكلباني * عبد البارئ الثبيتي * عبد الباسط محمد عبد
بمزيد من الغبطة والحبور تعرّفت على الفنان اليمني التهامي المغترب في دولة جيبوتي الأستاذ سعيد علي غانم حفظه الله تعالى وأطال عمره بالصحة والعفو والعافية حيث أهداني مجموعة من أغانيه وحفلاته التي أقامها بمناسبات متفرقة كما وعدني بأغاني فيديو للفنان المرحوم سعيد ناصر العميري الذي جاءت ترجمته في هذا المنتدى مذ فترة.. حتما سوف تكون تلك الأغاني المسجلة بالفيديو للمرحوم العميري أغاني خاصة وحصرية كما سوف يكون نشرها وتوزيعها على النت للمرّة الأولى حيث لم يسبق لمثلها أن تمّ طرحه… وإذ تكُ الأولى للمرحوم العميري فإنها ثالث ثلاثة بعد فيديو المرحومين عبد القادر بامخرمة وعبد القادر جمعه خان.
الفنان سعيد علي غانم فنان تهامي يماني يعتز ويفتخر بلهجته التهامية الحميرية الحنونة الحالية ويحرص عليها شديد الحرص حتى أنه دوما ما يوصي بحرارة أبناء جيله والأجيال اللاحقة بالعناية بها وحفظها وتخليدها على مدى الأزمان وعدم هجرها للهجات دخيلة فتضيع وتندثر…
تلك اللهجة التي داعب بها رسول الرحمة محمد صلّ الله عليه وسلّم أحد وفود اليمن القادم من زبيد (ام برُّ وام سمنُ وام عسلُ = البُرّ والسمن والعسل)…
***
وتلبية مجابة بالسعادة والسرور لطلب أخي العزيز الفنان سعيد علي غانم أهدي له هذه الأغاني التي أختارها وحرص على اقتناءها وسماعها ومشاهدتها وهي:
1- الأغنية الوطنية الثورية الأولى للفنان الأستاذ العملاق محمد مرشد ناجي تحت عنوان: قائد الجيش البريطاني مسيكين ارتبش يوم 20 الأغر
(صوت اوديو)
http://dc398.4shared.com/download/0n…_______20_.mp3
(صورة وثائقية فيديو)
http://dc388.4shared.com/download/XZ…_______20_.flv
كلمات الشاعر الموسيقار المرحوم محمد سعد عبد الله : -
قائد الجيش البريطاني مسيكين ارتبش *** في يوم عشرين الأغر ضيّع صوابه
يوم جاه العلم بالهاتف إلى بيته غبش *** زاغ عقله والعرق بلل ثيابه
شل بـابوره ولما داخل الجولة احتوش *** ما قدر يوصل إلى خيمة صحابه
كيف با يوصل وصوت المدفع الرشاش رش *** من جبل شمسان يصليهم عذابه
صاح في قوات جيشه قال قوموا يا حَوَشْ *** بس ما حد منهم رد الاجابه
لا ولا واحد من العسكر تنحنح أو عطش *** خوف لا ثوارنا تسمع جوابه
قام يتلوى كما الملدوغ ذي صابه حنش *** يلعن اللي لا عدن ساقه وجابه
والعساكر كلهم من حط في حفرة جفش *** وإن رفع رأسه وقع حصل حسابه
شافها شولى على غفله تسلل وامترش *** في خطى سكته ولا واحد درى به
راح للوالي ولما قابل الوالي ارتعش *** ما قدر ينطق ولا يبلع لعابه
بعد ساعه بعد ما جاب للوالي الطفش *** بعدما الوالي عزم ينتف شنابه
قال باستغراب هذا الشعب من فين انتبش *** والسلاح اللي معه من فين جابه
الفدائيين احتلوا المباني والعشش *** كلما قاومتهم زادوا صلابه
جـيشك انت (يا تريفليان) حوش *** والرصاص الحمر تصربهم صرابه
انصحك لفلف شقاديفك وعفشك والبقش *** روح لك لندن مع باقي العصابه
***
2- الأغنية الوطنية الثورية الثانية للفنان الأستاذ المرحوم فيصل علوي تحت عنوان: يوم قمنا ثائرين في 20 يونيه
http://dc381.4shared.com/download/8uoToBtQ/______.mp3
وبهذه المناسبة فإن يوم 20 يونيو الأغر من الأيام الثورية المشهورة في عدن جنوب اليمن.
***
كما يسرني أن أنتهز هذه الفرصة الجميلة لرفع رابط الأغاني والأناشيد الثورية الوطنية اليمنية من موقعي حيث يحتوي هذا الرابط الخاص على ستين 60 أغنية وطنية تقريبا لمختلف أساتذة وعمالقة الفنّ اليمني:
1- أحمد أحمد قاسم 3 أغنيات
2- أيوب طارش عبسي 12 أغنية
3- إسكندر ثابت 1 أغنية
4- فضل محمد اللحجي 2 أغنية
5- محمد مرشد ناجي 17 أغنية
6- عوض عبد الله المسلمي 1 أغنية
7- أبو بكر سالم بالفقيه 2 أغنية
8- رجاء باسودان 1 أغنية
9- عبد الرب إدريس 1 أغنية
10- محمد صالح عزاني 2 أغنية
11- محمد محسن عطروش 8 أغنية
12- فرسان خليفة 2 أغنية
13- فيصل علوي 5 أغنية
14- محمد سعد عبد الله

قلّما يأتي ذكر اسم شيخ الغناء اليمني وأحد أساطينه وأساطيره من الأوائل المتأخرين الشيخ الفنّان الأستاذ أحمد عبيد قعطبي دون أن يردف من بعده اسم تاليه في الغناء الشيخ أنور أحمد قاسم..
من المعروف عند جميع الباحثين والدارسين والمستمعين والمعجبين ما قد كان للشيخ أحمد عبيد القعطبي من أثر وتأثير على الساحة الفنيّة حتى غدا ملهما لكلّ فنّان ظهر معه أو من بعد رحيله فيتبعه ولا يخالفه.. حتى بلغ الأمر بمن لا يهوى الغناء أن ركب موجة الغناء طوعا أو كرها لدهشته مما رأى من معجبين لا عدّ لهم ولا حصر و ما شهدته الساحة الفنية من اتساع بسبب زيادة الحضور الجماهيري وما تمّ استقطابه من مستمعين ومشاهدين جدد من مختلف الأعمار والأجناس والأعراق.. كلّ قد سُحر وأفتتن بأسلوب القعطبي وفنّه الذي سحر وفتن كلّ فنان وغير فنان.
كان القعطبي عملاقا ورث عن عملاق آخر - وأقصد به شيخ مشايخ طرق الغناء اليمني المطرب الفقيه صالح عبد الله العنتري - كلّ تركته التي لا تبلى من الآثار والتراث والكنوز الفنية غالية الثمن.. حتى لم يترك الشيخ القعطبي أغنية واحدة يتيمة من دفاتر شيخه العنتري إلاّ وحرص على تجديدها وإرجاع لحنها بصوته الملحون، صوت البلبل المغرّد في سماء عدن وعموم أرض السعيدة من اليمن.
هكذا صنع فناننا القدير الشيخ أنور أحمد قاسم .. وهكذا خلّف سلفه .. حتى كاد أن يكون صورة طبق الأصل بل أنه كان فعلا، ليس فقط صورة طبق الأصل إنّما أصبح أصلا ثانيا وثابتا حتى غدا الحكم شبه مستحيلا في التفريق بين النسختين.
عندما أوردت ذكر القعطبي مع العنتري للتشبيه في المقام أعترف بأنّه ظلّ للطرفين الأوّل والثاني ما يميزهما عن بعضهما سواء في العزف أو الأداء أو الصوت.. لـكن الأمر يختلف تماما مع شيخنا الفنان أنور أحمد قاسم الذي قلّد أستاذه في كلّ شيء تقريبا إن لم يك تماما حيث كان يشبهه إلى حدّ بعيد في العزف والأداء والصوت مجتمعا. وهذا شيء نادر.
ويطيب لي هنا أن أسرد مقدمة تعريف الشيخ الأستاذ الفنان محمد مرشد ناجي بالشيخ المطرب أنور أحمد قاسم في كتابه "من أغانينا الشعبية".. حيث ذكر حرفيا ما يلي:
( كلّ ما أستطيع أن أقوله عنه هو أنه نسخة صحيحة من الفنان أحمد عبيد قعطبي في كلّ شيء.. في العزف والأداء والصوت ولا وجه للغرابة في ذلك فكلاهما يتشابهان حتى في ظروفهما أيضا واحد.. فوالد القعطبي كان مطربا مشهورا وكذا والد أنور قاسم… )
انتهى بعض من أقوال فناننا المحبوب المرشدي، أطال الله بعمره.. وجميع الناس قد اتفقت على تلك الأقوال ولم يختلف عليها اثنان.
وكما أشار الفنان الأستاذ المرشدي إلى البيئة الفنية العريقة التي نشأ وترعرع فيها شيخنا.. فقد كان والد القعطبي المطرب عبيد علي بلابل كما والد أنور المطرب أحمد قاسم من المطربين المشهورين الذين ذاع وشاع صيتهم ويعدّون من رموز الطرب اليمني في زمانهما لإجادتهما كافة الألوان الغنائية اليمنية القديمة..
نقطة أخرى وجب الوقوف عندها وهي أن أخوه محفوظ أحمد قاسم كان من أبرز ضاربي الإيقاع في اليمن في زمانه، تماما كما هو الحال مع عبد الكريم عبيد قعطبي شقيق المطرب الشيخ أحمد عبيد الذي يعدّ من أشهر الضاربين بالدربوجة في اليمن.
يا ترى، هل كان ذلك التقليد وهذا التشابه المستحيل في كلّ شيء بين العملاقين أحمد عبيد و أنور قاسم سببا في بروز وشهرة الأخير.. أم العكس.؟
أعجبني الشيخ أنور قاسم في تمسكه بتراث الآباء والأجداد وامتناعه عن ركب سفينة الحداثة والتجديد في اللحن والغناء وقيامه بحرب لا هوادة فيها على كلّ من قاموا بتغيير مسار الأغنية اليمنية التليدة الطبيعي وسوقها نحو المجهول بإدخال أنغام وألحان غريبة عنها، من هذا البلد أو ذاك، ممّا أفقد الأغنية اليمنية القديمة طعمها العذب ونكهتها الحالية ومذاقها الرائع وأبعدها عن تميزها التي تميزت به على أقرانها م
هذا الكتاب قد قمت على إنتاجه وإخراجه وإعداده وتقديمه هدية إلى جميع أبنائي وإخواني من طلبة العلم وكافة أعضاء هذا المنتدى العامر..
في ما يلي أنقل لكم المقدمة كما وردت في الكتاب لمعرفة مضمونه ومحتواه:
المقدمة
بـسم الله الرحمـن الرحيم * وبه نستعين * على أمور الدنيا والدين *
الحمد لله ربّ العالمين * والصلاة والسلام على سيّد المرسلين * وعلى آله الكرام الطاهرين * وصحابته الغرّ الميامين * وعلى التابعين وتابع التابعين * ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين * وعلينا معهم إن يشاء الله أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ثمّ أمّا بعد : -
فإنّ هذا الكتاب قد خصصته للتعريف بأسماء وأعمال الأدباء والفلاسفة والمفكرين الذين حصلوا على جائزة نوبل التقديرية مذ نشأتها في سنة 1901 إلى السنة الحالية 2009/2010 ، وقد جمعت فيه معظم المقالات التي وردت عن سيرة حياتهم من مصادر ومراجع متعددة كان من أهمها الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" ومنظمة جائزة نوبل التقديرية ودواوين الأدباء من أعضاء الشبكة العنكبوتية ونشرات الصحف مثل الشرق الأوسط والبيان والسياسة والوطن والرياض وغيرها من الصحف الإخبارية المتنوعة وكذلك ما أوردته مواقع الفضائيات العالمية وخاصة منها الجزيرة والـ بي بي سي كما تمّ تحميل مختلف الكتب من مكتبات المصطفى وليلاس وموقع تحميل الفور شيرد..
حاولت في هذا الكتاب أن أجعل من مهمة البحث لدى طلبة العلم، سهلا ومبسطا وميسورا، في دراساتهم وأبحاثهم وإثراء أفكارهم وتعريفهم بعصارة وخلاصة فكر وتراث الأدباء من مختلف أنحاء العالم..
وما يميّز هذا الكتاب ارتباطه المباشر بموقعي للتحميل الذي يمكن من تنزيل الكتب لغالبية الأدباء بنقرة واحدة حيث قد وردت في أواخر صفحات الكتاب كافة الروابط المتعلقة بكلّ أديب وأعماله، وليس على الراغب سوى توجيه سهم الفأرة إلى هدف عنوان الكتاب المراد تنزيله والنقر على السهم المشار إلى الكتاب فتنزيله وحفظه في ملف داخل حاسوبه.. ممّا يجعل هذا الكتاب يستخرج من دفتيه مائتي كتاب.
الرابط يوضح سنة الجائزة يليها اسم الأديب الفائز بها ثم جنسيته والبلد الذي ينتمي إليه ثم عنوان الكتاب.
جميع الكتب مرفوعة بالصيغة الالكترونية PDF
أدباء وفلاسفة وعباقرة نوبل للآداب ليسوا أبدا وحدهم الأفضل في العالم دون منازع فهناك مفكرون وشعراء وكتاب ومؤلفون كبار لم ينالوا الجائزة لسبب أو لآخر وإلا فماذا عن فيكتور هيجو و غوته وتشارلز ديكنز وموليير وفولتير وجان جاك روسو وتولستوي وديستويفسكي ويوسف إدريس وأدونيس وغيرهم من عظماء الفكر والبلاغة والأدب..
بعض هؤلاء العمالقة فارقوا الحياة قبل نشأة جائزة "نوبل" و لعبت السياسة دورا سيئا في حرمان البعض الآخر منها وقد كانوا أحقّ وأولى ممّن رُشحوا للجائزة وفازوا بها.
دائما ما تحصد منظمة جائزة نوبل الكثير من الانتقادات في اختياراتها غير الموفقة في بعض الأحيان كما تقابل سياساتها السلبية بشيء من الغضب حتى من بعض أعضاء لجان المنظمة ذاتها..
وتحاول المنظمة من بعد كلّ حملة عليها أن تعدّل وتصحّح من مسارها الأعوج كتكفير عن الذنب خاصة م

السيرة الذاتية:
الاسم: شريف ناجي أحمد مصعبي
الكنية: أبو نجوان
ولد في شبوة عام 1945م
سكن في أبين و عدن
المهنة: قاضي و فنّان
توفي في عدن عام 2004م
ليس بمستغرب، خاصة في أرض السعيدة، أن نصادف شخصا متعدّد الهوايات والمواهب كما هو الحال مع مطربنا المحبوب القاضي شريف ناجي الذي حاز العلم والفقه وتولى مسئولية القضاء في عدد من مدن اليمن ولم تحجبه أو تمنعه مسئولياته القضائية في المحاكم وفضّ المنازعات بين الناس عن ممارسة هوايته المحببة في الغناء حتى أصبحت شهرته بالفن تفوق شهرة المحترفين.. وليس ثمة شطح أو مبالغة فيما إذا وصفنا فناننا بأبرز محترفي الغناء في عموم اليمن حتى أصبح من مشايخ الغناء اليمني..
توفي الشيخ شريف ناجي في شرخ الشباب.. لم يتجاوز عمره التاسعة والأربعين.. لـكنه أستطاع بفترة وجيزة أن ينافس كبار المطربين اليمنيين في ساحة الفن والعزف والغناء بقدرة فائقة أدهشت وأذهلت الناس جميعا حتى هرعت إليه بأفئدتها ومسامعها وتسارعت وتحابت وتخاصمت في إظهار إعجابها بهذا الفنان الشاب الودود.
بالرغم من قصر عمر الفنان إلا أنه ترك لنا من عطاءه الزاخر تراثا ضخما وورثنا من بعد فراقه كنزا من الأغاني يحتوي على أكثر من مائتي أغنية ما تزال أنغامها مدوية في المجالس وما تزال الناس ترددها بمتعة وطرب دون أن تملّ من سماعها والازدياد منها وتكرارها.. بل أنك تجد في الناس من يطلب أغنية (ياذي وصفت الحسيني) ظنا منه بأنها لفيصل علوي وآخر من الناس يسير على نفس الظن فيطلب منك أغنية (من بكى عيال الناس).. فتفاجئك الحقيقة بأن هذه الأغاني لا تعود إلى الفنان القدير فيصل علوي وإنما هي من طبع وختم الشيخ المرحوم شريف ناجي.. كما أنها ماركة مسجلة باسمه وعوده.
شريف ناجي.. ليس بذاك الفنان المجهول، فشهرته قد طافت الآفاق.. سجلت له استديوهات رومكو في الكويت وخلدت في كتالوجات ألبوماتها أروع أغانيه مذ سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم.. تعتبر شركة رومكو الكويتية من أقوى وأقدم شركات الموسيقى والفنون في الخليج وقد اعتنت كثيرا بالتراث اليمني كعنايتها ورعايتها بالتراث الكويتي والخليجي، وهي من أوائل الشركات في الجزيرة والخليج إن لم تك الأوّل على الإطلاق وتتميز رومكو بتسجيلاتها الفائقة وما يصحبها من مداخلات وجلسات وإيقاعات قلّما صادفت مثيلها عند غيرها .. قد كان لرومكو حضورا بارزا في السنوات الخالية.. وأن تستضيف رومكو الفنان شريف ناجي ففي ذلك تشريف متبادل بين الطرفين وعن مدى ما حققه الفنان من نجاح أكسبه شهرة واسعة وإعجاب منقطع النظير وسط الجماهير.
قد اقتصر فناننا بأداء أغانيه في الجلسات الخاصة مع أصدقاءه ولم تحتكر الإذاعة والتلفزيون من أغانيه سوى النذر اليسير جدا الذي قام مطربنا بتسجيلها.. إلاّ أنه مع هذا فقد عرف عنه في أواخر مراحل العمر حضورا كبيرا ودائما في الحفلات والمهرجانات الاحتفالية في شتى المناسبات.. حتى بلغ بالأمير عبد الرحمـن بن سعود، رحمه الله تعالى، رئيس نادي النصر السعودي بالرياض أن يستضيف مطربنا كلّما حقّق نادي النصر فوزا ببطولة دوري أو كأس.. ذلك بسبب أن غالبية مشجعي نجوم النصر وأشباله في ذلك الزمن من الجالية اليمنية الكبيرة المقيمة هناك.. وقد أحبّ الأمير المرحوم أن يفرح الجماهير من مشجعي ناديه الأوفياء بأن يقدم لهم ما يحبونه ويتوقون إليه.. وما يزال صوت الهاشمي قال على لسان شريف ناجي وغيره من الأقوال من المعنّى إلى الحسيني… كلّها أقوال باقيات خالدات في الذكريات .
تعامل مطربنا مع عدد من الشعراء الحمينيين المتأخرين كما تميّز بعلاقته مع الشاعر الحميني القدير المرحوم ناصر علوي الحميقاني أحد كبار الشعراء المشهورين في اللون الحميني من المتأخرين والذي شكّل معه ثنائيا رائعا حيث قد خلدا أعمالا فنية لا تمحى من ذاكرة الزمن.. كما تغنّى بقصائد الشعراء الحمينيين الكبار من أمثال الشاعر القدير المرحوم أحمد سيف ثابت والشاعر علي عمر صالح وكذلك الأمير الشاعر عبد الكريم والشعراء سالم حجيري و عبده ياقوت و مبخوت ناصر وعبد الله الوهاشي وايضا الشاعرة ميمونه أبو بكر وآخرين.
كما أتقن فناننا العزف على العود وأحسن الغناء اليمني بأنواعه وأشكاله المتعددة من صنعاني ويافعي ولحجي وعدني وحضرمي.. غنّا أغاني الاغتراب مواسيا إخوانه المغتربين في دار غربتهم كما أبدع في الألحان الراقصة حيث استخدم غالبي
لقد نالت قصيدة (أراك طروبا) ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان شهرة واسعة في الوسط الفني اليمني بل أن شهرتها قد وسعت ارجاء الوطن العربي من شماله إلى جنوبه ومن مشرقه إلى مغربه وذلك من خلال التغني بها من مشايخ الغناء في اليمن مذ الرعيل الأول من أمثال أحمد عوض الجراش وإبراهيم محمد الماس ومحمد جمعه خان ومحمد مرشد ناجي وغيرهم من أساطين وسلاطين الطرب في اليمن.
جاءت بعض أبيات الأغنية في القصيدة بكلمات وأوصاف يرى الناس بها خروج عن الدين والتقاليد كما حكم البعض بكفر تلك الألفاظ.
الشيخ المرحوم أحمد عوض الجراش غنى القصيدة كاملة كما وردت دون حذف أي بيت من أبياتها..
كذلك تبعه الشيخ إبراهيم محمد الماس بغناءها دون حذف الأبيات المثيرة للجدل..
أيضا من الأواخر فقد سلك ذات الطريق الفنان محمد الجيلاني.
كثيرون هم عدد الأصدقاء الذين طالبوني بالأغنية بصوت الفنان فيصل علوي.. ولا أدري من أين استمعوا إليها مغناة بصوت الفنان.
ما أستطيع تأكيده بأن هذه الأغنية لم تجري أبدا على لسان الفنان فيصل علوي.. على الأقل هذا ما لم أسمعه منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أي وقت من الأوقات بالرغم من حيازتي على أكثر من 500 أغنية للفنان..
لـكن آخرون قد أدوا هذه الأغنية ومنهم على سبيل المثال من المشايخ ابراهيم الماس واحمد الجراش ومحمد جمعه خان ومحمد مرشد ناجي ومحمد حمود الحارثي وعلي عبد الله السمه وأيضا محمد الجيلاني وعبد الرب إدريس وعبود خواجه وغيرهم…
قصيدة " أراك طروبا " ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان
وينسبها البعض أيضا إلى إبنه خالد بن يزيد بن معاوية
اراك طروبا والها كالمتيم * تطوف بأكناف السجاف المخيم
اصابك سهم ام رميت بنظرة * فما هذه الا سجية من رمي
على شاطيء الوادي نظرت حمامة * فطالت عليّ حسرتي وتندميِ
خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني * رأيتُ بعيني في أناملها دمي
خذوا بدمي منها فإني قتيلها * فلا مقصدي ألا تجود وتنعمي
ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها * ولكن سلوها كيف حل لها دمي
وقولوا لها يا منية النفس إنني * قتيل الهوى والعشق لو كنتِ تعلمي
ولا تحسبوا أني قتلت بصارم * ولكن رمتني من رباها بأسهم
لها حكم لقمـان وصـورة يوسـف * ونغـمـه داود وعـفـة مـريـم
ولي حزن يعقوب ووحشـه يونـس * وآلام أيـــوب وحـســرة آدم
مدنيـة الألحـاظ مكيـة الحشـى * هلاليـة العينيـن طائيـة الـفـم
وإن أتى ذكر العامرية فإنّني * أغار عليها من فم المتكلم
أغار عليها من أبيها وأمها * ومن مصّة المسواك إن دار في الفم
أغار على أعطافها من ثيابها * إذا ألبستها فوق جسم منعم
وأحسد أقد
العملاقان عبد القادر جمعه خان
وعبد القادر عبد الرحيم بامخرمة
(بالصوت و الصورة)
أثناء سفري إلي شرق أفريقيا ومكوثي فيها لأيام قليلة معدودة نزلت خلالها عند بعض الأقارب، أفاجأ بأحدّ أعمامي (احتراما) وأحد أصدقاء والدي رحمه الله تعالى يتصلّ بي مطمئنا عليّ وبعد السلام والكلام فإذا به يخبرني بأنه قد عثر على شريط فيديو للفنانين بامخرمة وجمعه خان.. فاستغربت من كلامه ، لم أندهش بخصوص شريط فيديو بامخرمة وإن كان ذلك نادرا لـكن دهشتي واستعجابي واستغرابي أن أسمع من يخبرني بأنّ هناك شريط فيديو لمحمد جمعه خان.. لأنّي أعلم يقينا بأن الفيديو كان من التقنيات العصرية الحديثة ولم ينتشر ظهوره إلاّ في سبعينيات القرن المنصرم وإن كان ربما قد تم صنعه في أواخر عهد الستينيات وأقول ربما، وهذا ظنّ ليس مؤكدا.. بينما المرحوم محمد جمعه خان قد سبقت وفاته عصر ظهور الفيديو حيث توفي في منتصف الستينيات من القرن الماضي.
ولم أخفي دهشتي فقلت:- ولـكن يا عم، محمد جمعه خان قد مات قبل أن تعرف الناس الفيديو أو تتعرّف عليه..
إلا أني وجدت العم الفاضل أكثر إصرارا وتصميما على موقفه.
لم أجادله كثيرا خاصة وأنه يصعب جدال كبار السنّ.. فما كان مني إلا أن وافقته على قوله ورضخت لتأكيده..
ومن بعد ألححت عليه باستلام هذا الشريط الفيديو النادر كما وعدني..
رجعت من سفري دون أن أستلم ذلك الشريط بسبب انتقال العم وأسرته إلى منزل آخر وانشغالهم بظروف النقل والترتيب وحسب ما أفهمني أن الشريط في وسط عفش مكركب رأسا على عقب.. وربما يكون قد خبأه في مستودع البيت القديم وأن عليه البحث عنه والعثور عليه فهو على يقين بوجوده وإن لم يفتكر مخبأه.
لم أفقد الأمل وبقيت على اتصال معه ملحا في طلبي حتى أخبرني بأنّ الشريط بين يديه فأعلمته عن طريقة إرساله إليّ..
وبالفعل فقد أوفى الوالد الفاضل بوعده، مشكورا.. وبعث إليّ بالشريط مع أحد المسافرين ..
وكانت المفاجأة الأخرى عندما نظرت إلى الشريط فأكتشف أنه غاية في القدم.. لا أدري كم مرّ عليه من الزمن، ربع قرن أو ثلاثون سنة أو أكثر… واكتشافي الآخر كان أعظم حيث أن الشريط من نوع الـ BETAMAX وهو نوع قد اختفى واندثر منذ زمن بعيد فهذه الماركة منقرضة تماما حيث لم يبقى متداولا سوى أشرطة الـ VHS، لأجد نفسي أمام مهمة أخرى عسيرة جعلتني أطوف محلات الفيديو واحدا واحدا دون فائدة.. جميع الفيديوهات قد اتفقت على عدم وجود الجهاز لديها..
بلغ بي الحدّ أن أقتني الجهاز ذاته مهما كلفني من ثمن.. ولـكن هل كان ممكنا ولم أفعل.؟. أبدا، فأين من يبيعني هذا الجهاز؟.. في أي سوق من الأسواق؟ وعند أي محلّ من المحلات؟.. ذهب بحثي أدراج الرياح..
ثم، ثمّ جاء الفرج أخيرا ووقعت على أحد الأصدقاء القدماء الذي وجهني بدوره ودلني على السيد عبد الله البلجون.. ومن أول نظره على الشريط، فاجئني بالقول بأنه يصعب على مثل هذا الشريط إخراج صورة واضحة أو صوت مقبول .. أجبته: أفعل المستحيل ياعم عبد الله.. أنقله كيفما كان سواء بالمقبول أو بالمرفوض. فضحك وقال سأبذل قصارى جهدي ولو أني أعلم باستحالة ذلك.. لـكن سأحاول تفكيك الشريط وتنظيفه وإعادة تركيبه ولعلّ وعسى.. فسلمته وغادرت لأعود إليه بعد يومين فأجده قد نسخ ذلك الشريط المعجزة على DVD .. تسلمته منه شاكرا ومقدرا أتعابه.
أفرغت ما يحتويه الدي في دي من أغاني إلى جهاز حاسوبي لأجد الأغاني قد سجلت بصيغة vob وبحجم 350 ميغابايت للأغنية الواحدة ممّا يعني مجموعا يقارب من 3 غيغابايت (3000 ميغابايت).. وهذا حجم ضخم جدا جدا للرفع أو التنزيل..
وإن حملت بهذا الحجم فمن ذا الذي سوف يقوم بتنزيل هكذا أحجام ثقيلة.؟.
تصفحت معظم الشركات الخدمية على الشبكة العنكبوتية للحصول على برنامج يقوم بالضغط إلى أدنى مستوى أو على أقل تقدير أوسطه .. لم يفلح بحثي.. جربت معظمها من الموفي ميكر إلى ايزي ريل إلى الريل بروداكشن إلى … إلى …
جميعها لم توفي بالغرض ولم تحقّق مأربي .. فلجأت إلى التحويل من الـ vob إلى avi وهي الصيغة التي تشتغل في أجهزة الحاسوب تماما كما تعمل في الدي في دي بلاير.. حتى استطعت الوصول إلى نتيجة قياسية من 80 إلى 100 ميغابايت ..
لـكن حتى من بعد هذا التخفيض في الأحجام فإن هذا الرقم ما يزال ضخما بنظري.. لأعاود البحث من جديد وأخيرا استخدمت أحد البرامج المتطورة الذي تمكنني من تخفيض الرقم إلى الثلث دون المساس بالجودة إلا قليلا يغيب ذكره.
وبالفعل تمّ وتحولت الأغاني إلى الحد المقبول نوعا ما بحجم يتراوح ما بين 25-30 ميغابايت.
وكانت تلك أقصى أو أدنى نتيجة تمكنت من بلوغها آمل بأن تروق
الفنّان محمد الجيلاني،
فنّان له حضوره المميّز وجمهوره الواسع والعريض..
الفنّان محمد الجيلاني، فنّان يمني،
من محافظة المهرة الكبرى في اليمن،
وينتمي إلى منطقة الحوف..
وليس كما يزعم البعض بأنّ أصله يعود إلى عمان أو قطر…
إلاّ أنّه قد سكن بأسرته في الحبيبة عمان.
عندما أهديت أولى باقات أغانيه إلى أحد الإخوان الغاليين ومن أكنّ له معزّة خاصة في نفسي، تفاجأ ذلك الصديق الحبيب وأوّل ما ظنّ بأنّ موهبة هذا الفنان سوف تجعل منه في المستقبل القريب فنانا صاعدا وواعدا.. وقد ازدادت دهشة أخي وصديقي عندما أعلمته بأنّ هذا الفنّان متربع على الساحة مذ نيّف وثلاثة عقود وتزيد..
علما أن صديقي من المهتمين جدا في الفنّ اليمني وله باع طويل في تراثه القديم والمتجدّد.. وهو باحث موسيقي مجتهد.. قد أثرى ساحات المنتديات الفنية بذكرياته الحلوة واختياراته من الأغاني الجميلة.
وقد سبق لي وأن عرّفت على الفنان الجيلاني في موضوع سابق
ورفعت له في حينها قرابة 13 أغنية على رابطه الخاص في موقعي
الآن، أصبح ذلك الرابط يحتوي على 34 أغنية بزيادة 20 أغنية إضافية من تسجيلاتي الخاصة على قمّة الوضوح وفي غاية الصفاء والنقاء.
من تلك الأغاني الأخيرة:
1- أغنية (الا يالله بعاشق تعليت)
وهي من الألحان الصوفية
الفنّان القدير الأستاذ علي أبو بكر العطّاس
عجبي من غزارة المعجبين بفناننا المحبوب علي أبي بكر العطّاس وشدّة إعجابهم بفنّه حتّى أنه لم يقتصر عدد المعجبين على ساكني اليمن السعيد بل قد تجاوز ذلك ليشمل أرجاء الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه.
أحدّ الإخوة الليبيين المعروفين جدا على الساحة التراثية الفنية العربية وهو حاليا يشرف على واحد من أهم المواقع الموسيقية الفنية التراثية العربية وأكرّر (العربية)، التي ليست محصورة فقط باليمن وإنما تحتضن التراث الموسيقي للوطن العربي الكبير، حيث أتى على ذكر فناننا المحبوب ورفع له بعض من أغانيه المتوفرة لديه من أحد زملاءه الذي أهداه شريطا لفنان اليمن العطّاس.. وقد ألّح بطلبه على من يوجد لديه من تراث هذا الفنان بأن لا يبخل به، لـكن للأسف لم يلّبى طلبه إلاّ بأغنية أو أغنيتين ليس إلاّ..
قد أستغربت من ذلك أيّما إستغراب، ففناننا ما يزال بين ظهرانينا وإنّه الغائب الحاضر دائما سواء في إذاعات اليمن أو على شاشاتها الفضائية.. وهو لا يغيب عن مناسبة من مناسبات أعياد أهله وذويه ووطنه قطّ إلاّ وأحياه وأحتفل به معهم بصوته الشجّي.
من الإمارات العربية المتحدة، بعث لي أحد أقرباء الشاعر العربي الإماراتي المخضرم برسالة على الإيميل يطلب منّي فيها أغنية (يا مالِـك الـروح رحمـه * لا تستـوي لـي ظُلـومـي) لشاعر الإمارات (محمد بن عبيد بن نعمان الكعبي) وقد لبيت له الطلب في حينه بالردّ على رسالته مباشرة.. ثم في الآونة الأخيرة أعاد أحد الإخوان الأعزاء وكرّر ذات الطلب في إحدى المنتديات التّي نلت شرف عضوية إدارتها وكان أن قدمت له ما يريد.
صديق آخر، نقل إلى المنتدى موضوع الأخ الليبي الحبيب حرفيّا مبديا رأيه وطالبا منّا أن نجيب داعي الموضوع بعد أن قام بتقديم الشكر له عمّا لقيه الفنّ اليمني ومطربيه من إهتمام لديه..
لا عذر أمام هذا الكمّ الهائل من الطلبات والرغبات التّي لم أنشر منها إلاّ بعض نماذج سوى أن ألبّي وأستجيب لهؤلاء الأحباء كافة وأن أقدّم لهم في هذا الطبق مائة (100) أغنية تقريبا لهذا الف
الناشئون في حدائق الغناء اليمني:
محمد صالح حمدون - يحي العوامي - نادر الجرادي - حسن العمري - خالد الشريجة - أحلام …
من بعد الحديث عن مشايخ الغناء اليمني في الزمان الأوّل، آن لنا باستراحة قصيرة نستردّ بها الأنفاس قبل عودة من جديد ورجوع عن قريب ، وحتى حين بإذن الله تعالى، هذه نبذة موجزة عن الناشئين المشهورين في روض الغناء اليمني وان من أشبال الأسود هؤلاء من قد أصبحوا رموزا وأضحت أسماءهم أشهر من نار على علم حتى غدا البعض منهم وأمسى في منزلة الشيوخ مع مرتبة الشرف والترقي.
يأتي في مقدمة القائمة اسم شبلنا وأسدنا الفتى والشيخ المرحوم محمد صالح حمدون حيث كان أوّل من بدأ بالغناء طفلا صبيا يافعا لم يتجاوز الحلم .. كان عمره لا يزيد عن تسع سنين عندما غنّا أغنية : سألت العين حبيبي فين.
تنزيل أغنية سألت العين للفنان محمد صالح حمدون
ومن هنا الفنان المرحوم يحي العوامي الذي غنّا صبيا في صبيحة الأحلام ومات في زمان الصبا وأحلام المساء، رحمه الله تعالى، في الأغنية المشهورة: دلا بنفسك دلا بالغنج داوي الحلا.
تنزيل أغنية دلا بنفسك للفنان يحي العوامي
ولنستمع إلى الفنان الناشئ في حديقة اليمن الغنّاء حسن العمري في أغنية ما للزين قالب وجهه ، ما يضحك ولا هو طبعه بلكنة صنعانية في غاية العذوبة والحلاوة:
بزغ نجم الفنان يحي العوامي صبيا وللأسف هجر الفنّ في صباه،
والفنّان يحي العوامي قد أبدع في غناه صبيا وترك الساحة وهو في بحر الصبا..
بالرغم من سنوات عمره القليلة في الفنّ والطرب إلاّ أنّ أغانيه الجميلة الحالمة بقيت تطرب الأسماع حتى اليوم.. وما زلنا نذكره ونتذكره بها.
خصّص له الأستاذ العربي المصري القدير فصلا تحت رقم 218 بعنوان "العوامي" والعبرة بالبلوغ من كتابه الثري والمفيد (اليمن وأهل اليمن: أربعون زيارة وألف حكاية) على صفحته رقم 439 .. ولا أحدا من العارفين يجهل قيمة كتاب الأستاذ والباحث والكاتب العملاق والصحفي النحرير أ. يوسف الشريف الذي سجل مقابلاته مع ثوار اليمن وأئمته ورؤوسائه مذ المناضل الثائر علي عبد المغني حتى عهد الرئيس الأخ علي عبد الله صالح مرورا بالسلال والعمري والارياني والحمدي والغشمي وعبد الفتاح وعلي سالم ربيع وعلي ناصر محمد وعلي سالم البيض كما دوّن حواراته مع الزبيري والبردوني ومحمد نعمان ونجله أحمد عدا مرافقته للزعيم الراحل جمال عبد الناصر وعامر والسادات ومعظم القادة والظباط الأحرار.
حصل الأستاذ يوسف الشريف على وسامي الثورة والوحدة من اليمن.
أورد فيما يلي نصّ ما دوّنه الأستاذ شريف:
* يرحم الله فنان الشعب زكريا الحجاوي، فهو عندما قدمنا له مطربا واعدا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره حتى يتبنى موهبته، قال بعد أن أستمع إليه: - صوته شجي، ولـكن العبرة بالبلوغ!
والمدهش أن يتلاشى الجمال والشجن من صوت هذا الفتى بمجرد وصوله سن البلوغ
تذكرت هذه القصة عندما سألت عن "العوامي"، ذلك الفتى اليمني ابن الحديدة الذي وهبه الله صوتا آسرا مغردا كما الكروان، وكنت قد أستمعت إليه لأول مرة وجذبنا صوته الغنائي إلى حالة وجدانية موحية لم ألمسها في غيره من الأصوات الغنائية ا
حمينيات - 4 -
الفنانون : (21) صالح عبد الله العنتري – أحمد عوض الجراش – أحمد عبيد القعطبي – محمد جمعه خان – أنور أحمد قاسم – محمد حمود العوامي – علي عبد الله السمه – عثمان علي عثمان – بدوي زبير – محمد مرشد ناجي – محمد عبده – أحمد السنيدار – فيصل علوي – علي عبد الستار – عبد المجيد عبد الله – جابر الجاسم – خالد الملا – خالد عبد الرحمـن – راشد الماجد – عبادي الجوهر – علي عبد الكريم…
الشعراء : (2) محمد بن عبد الله شرف الدين و عبد الله محمد باحسن
القصائد المغناة : (3) ربّ إنّي قصدت الباب والأمر مشتد و يا نسيم الصبا سلّم على باهي الخد و المعنى يقول يا من سكن في فؤادي.
يتبع لمقدمة الجزء الأوّل من سلسلة حمينيات:
قبل الشروع في متابعة سلسلة أجزاء "حمينيات" ، رأيت أن أقف مليّا على بعض من سطور أشرح فيها بإيجاز معنى ومفهوم ( الشعر الحميني ) حيث أنّي وجدت بأن مفردة حميني ما تزال تشكل التباسا عند البعض بالرغم ممّا سبق لي تناوله بالتخصيص والتفصيل حول هذا المعنى في مواضيع متفرقة.. منها ما أوردته في مقدمة الجزء الأول من هذه السلسلة كمدخل وتعريف باللون الحميني.. هنا، سأحاول ما استطعت أن أوجز واختصر في المعلومات.
لو عدنا إلى الفصل الأول من هذه الأجزاء ومع القصيدة الأولى (بات ساهي الطرف) لاكتشفنا بأن القصيدة تنسب إلى اللون (الحكمي) وليس (الحميني) .. وكما تم الشرح بأن القصيدة الحكمية هي تلك المدونة باللغة العربية الفصحى وتراعي قواعد تلك اللغة الجميلة الغنية كما تحترم العروض والأوزان في الشعر.. أما الحمينية فإنها عكس ذلك إلاّ أنها مع هذا تحفظ للغة وللشعر والوزن والقافية معظم المبادئ والمعاني .. كما وأن الحمينية أكثر تحررا من رقّ تنسيق الأبيات والانحباس في زنازينها وضرب قيودها.. فهي تحلّق بك إلى فضاء أوسع وأرحب وبحور أعمق.
في الجزء الأول تمّ اختيار قصيدة بات ساجي الطرف وهي من الشعر الحكمي ثم تلتها في الجزء الثاني قصيدة سرى الليل وا نايم وهي من الشعر الشعبي البدوي أما الثالثة فقد كانت قصيدة يا منيتي يا سلا خاطري وهي من الشعر النثري المعاصر..
نلاحظ بأن ما من قصيدة من القصائد الثلاثة تنتمي إلى روح القصائد الحمينية المشهورة..
سؤال وجيه لو قام شخص ما بسؤالي: "ما دامت أن تلك القصائد ليست بحمينية فلماذا تعريفها ونشرها تحت (حمينيات)؟"
الجواب: من خلال متابعتي للغناء اليمني وللشعر اليمني ودراستي عن الشعراء اليمنيين والمطربين اليمنيين وجدت أن القصيدة اليمنية قد تلبس حمينيتها:
أولا: من ذاتها ، مثال على ذلك بأن تكون القصيدة حمينية روحا وشبحا وقلبا وقالبا بأبياتها وكلماتها المطعمة وأوزانها المتنوعة …الخ. والقصائد الغنائية والموشحات من هذا النوع لا عدّ لها ولا حصر إذ أنها الغالبة في الثقافة والأدب والفنّ في اليمن.. في هذا الفصل الرابع تم اختيار نوع واحد من تلك القصائد الحمينية الخالصة التي نشير إليها ضمن سلسة أنواع مختلفة سنأتي على ذكرها والتعريف بها لاحقا في تسلسل حلقاتنا بإذن الله تعالى.
ثانيا: بأن تكتسي حمينيتها من شاعرها وإن جاءت حكمية أو شعبية أو نثرية .. تماما كما حصل مع قصيدة يا منيتي للشاعر القمندان أحد أمراء الشعر الحميني في طول اليمن والعرض.
ثالثا: بأن تأخذ لون حمينيتها من الفنّان ذاته.. مثلما كان الحال مع أغنية سرى الليل وا نايم .. وكذلك مع أغنية بات ساجي الطرف..
جميع الفنانين والمطربين اليمنيين من دون استثناء قد أدوا اللون الحميني بتنوع شمائله بفنّ وإعجاب حتى بات هذا اللون وساما ووشاحا وشكّل السمة الغالبة التي انضوى تحت بيرقها الجمع ولم يتخلف أو ينشق من أفراد المجموعة أحدا.
ولو فتشنا في كتاب شعر الغناء الصنعاني للمرحوم الدكتور محمد عبده غانم لعرفنا سبب وضعه قصائد تنتمي إلى اللون الحكمي كقصيدة رضاك خير من الدنيا وقصيدة أنا من ناظري وقف بالخضوع وغيري على السلوان وبات ساهي الطرف وغيرها حيث قد أشير إليها، مع القصائد الحمينية .
قبل الختام، أودّ التلميح إلى القصائد الصوفية.. فالأدب الصوفي أدب قائم بحدّ ذاته وفكر قد أثرى الأدب العربي بما لا يتسع لنا المجال للإحاطة بكلّ أدبياته وفلسفته..
الأشعار الصوفية والشعراء الصوفيون هم أيضا يدخلون من باب "الحمينيات" .. مثال على ذلك قصيدة مرضي من مريضة الأجفان عللاني بذكرها عللاني للشيخ محيي الدين بن عربي وهو الحُبّ فاسلم بالحشا ما الهَوى سهلَ للشيخ ابن الفارض وعيني لغير جمالكم لا تنظر للشيخ إبن علوان وتملكتمو عقلي للشيخ عبد الرحيم البرعي اليمني وغيرها من مهج الشعر إنما تحسب على الحمينيات وهي من أفصح الأقوال عروبة وتعريبا وما بشعرائها إلا من أئمة الفصاحة والبلاغة.. إنما قصيدة كمريضة الأجفان لا تتشابه مع قصائد أمرئ القيس وعنترة العبسي ولا تشابه قصائد المتنبي وأبي تمام والبحتري أو حتى قصائد شوقي وحافظ والجواهري..
ومع تشريفنا الختام.. ومن بعد تعريفنا لمعاني المفردتين الشهيرتين : الحكمي و الحميني .. إلاّ أن سؤالا ما يزال عالقا بالأذهان .. "من أين جاءتا ومن ذا الذي أوردهما وكيف ولماذا؟"
الجواب أن هاتان المفردتان يمنيتا الأصل والمنبع والمنشأ ولم يتناولهما ويداولهما غير أهل اليمن (مبدأ العرب وانتهاءها ومولدها ومنبتها) .. ذهب المحققون والدارسون والباحثون أن كلمة (حكمي) ترجع إلى إحدى قبائل اليمن المتفقهة بالعلم والدين وأنها القبيلة التي تتكلم باللغة العربية الفصحى كما جاءت حتى اليوم.. لـكنني وجدت على أرض الواقع ما يخالف تلك الأقوال جملة وتفصيلا.. فهذه القبيلة تسكن تهامة اليمن وبالتحديد في مناطق المخا الساحلية.. ووجدت ألفاظ أبناءها تماما كما ورد في بعض أحاديث النبي الأعظم صلّ الله عليه وسلّم عندما خاطبهم بها ممازحا ومداعبا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم… فمن نطقهم : (امسمنو وامبرو وامعسلوا …ا
الفنان المرحوم الشيخ محمد حمود العوامي
المطرب الراحل الشيخ محمد حمود العوامي من مطربي الرعيل الأول حيث قد عاصر تسجيلات الاسطوانات الحجرية ..
والشيخ العوامي من جملة الذين تأثروا بالمطرب الشيخ أحمد عبيد قعطبي تماما كالمرشدي ومحمد سعد والسمه وأيوب طارش وغيرهم من مشايخ الفن والطرب…
والمرحوم العوامي كان من العازفين المميزين القلائل في ذلك الزمن.. حيث عزف لعدد من الفنانين وخاصة من فنانات الجيل الأوّل من أمثال الفنانة الراحلة منى علي ونبات أحمد وأختها روضة أحمد.
أغانيه ما تزال لوحاتها الفنية معلقة على جدران تأريخ التراث اليمني ومحفوظة في أذهان الناس التي ما ملّت ترددها حتى اليوم..
فمن بعض روائعه : دلا بنفسك دلا بالغنج داوي الحلا و بالله اسمعوا يا جماعة ذا الكلام وتاكسي أمانه شلّني وغيرها من الأغاني الخالدة.
من يستمع إلى أغاني المرحوم العوامي يستشعر بنبض لهجات أهل المرتفعات الجنوبية من اليمن .. والمرتفعات الجنوبية تعني سلسلة الجبال والوديان الممتدة من تعز إلى عدن ..
هنا أهديكم بعض من تلك الأغاني العذبة الحالية :
(جميع الأغاني من تسجيلاتي الخاصة وكما سوف تلاحظون قد تم تسجيلها عن اسطوانات ذلك الزمن).
حلاوة الكلمات التعزية العدنية من هنا:
أغنية والله العظيم يابو علي ما اقدر عليك ..
من الألحان اليافعية الشرحية ..
حيث أداها الشيخ القعطبي في رائعته :
قال بن الأشراف من هجري بكيت
حتى اشتكت من نحيبي أضلعي
من الذي في محبته ابتليت
بالوجد حتى تدامت أدمعي
لو كنت من ورد خديها اجتنيت
لصرت في الدهر مثل الأصمعي
أو كنت من ريقها الحالي سقيت
لقلت للعين قري واهجعي
أو كنت من بين نهديها استويت
لقلت للنفس من هذا ارتعي
إن كنت يوما على قتلي نويت
شاصيح يا غارة الله اسرعي
…….
وغنّا بها الشيخ المسلمي:
كلّ العرب قالت يحيا جمال
كلّ العرب لليافعي يوم القتال
….
وأيضا :
الهاشم
بـسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
- 0 –
استفتاح المقدمة بـسم الله تعالى:
هو شاعر ضاقت عليه نفسه ووطنه وحكومته..
لم يسلم من لسانه وقلمه وحرفه حاكما ولا محكوما ولا ملكا ولا مملوكا ولا أميرا ولا مأمورا ولا وطنا ولا غربة.
دخل عليهم بالعرض والطول، بالوجه والقفا، بالظهر والبطن..
صفع الوجوه الكالحة، أخرس الأصوات النائحة، بقر الجيوب الكاشحة..
ما سلمت منه حكومة بلده ولا سلمت منه الحكومات العربية من شرقها إلى غربها، بل حتى لم تسلم منه نفسه والشعب وما أمنت منه الأحزاب وأدعياء المعارضة وما هجعت بسلام حيث توحدت مع حكوماتها في نبذه والحقد عليه..
حقدت عليه وكرهته العلمانية والشيوعية والإسلامية والإمبريالية والرأس مالية والاشتراكية والبيروقراطية و… و…
صفّوا أمامه صفّا، فدكّهم دكّا.
جلد بسوط لسانه ساخرا من سياطهم..
حبسهم في زنزانة دفاتره ساخرا من زنازينهم..
سخر منهم جميعا ولم يملكوا لأنفسهم دفعا ولا نفعا ولا ضرا..
قذفهم بشتائم وسباب فحقدوا عليه..
حبسوه.. منعوه.. سجنوه.. قاطعوه.. حاصروه.. أرشوه.. تركوه..
فما نفعهم كلّ ما فعلوه.
وظلّ الرجل يجلدهم بحد اللسان ويشاور عليهم بالبنان .. ساخرا.. متهكما.. متحديا.. ثائرا.. زاجرا.. ناشرا الرعب في قلوبهم.
شاعر معاق أعاق جمعهم
أعماهم وأمرضهم فلم يجدوا من دائه دواء.
لست هنا كي أكتب تأريخ هذا الشاعر الزعيم العملاق.. فما من موقع من المواقع إلاّ وتحدّث عنه وعن ذكره وتأريخه.. وما من مكتبة من المكتبات إلاّ وعمرت بكتبه ومجلداته ودواوينه.. وما من مجلس من المجالس إلاّ وردّد صدى أشعاره.
شاعر أعمى كفيف البصر مثقب الوجه والجسد من آثار الجدري..
تراه وكأن لا عينين في محاجرهما..
إذا رأيته حسبت أنه رجع إليك من القرون الغابرة..
يخيّل لك وكأنّه صورة من أساطير فيكتور هيجو في البؤساء وأحدب نوتردام أو تشارلز ديكنز في أوليفر تويست ودايفيد كوبرفيلد..
يتهيأ لك وكأنّه جمع تحت جبته المعري وطـه حسين وبشار بن برد والأعشى والحطيئة وأبي العتاهية والصعاليك والخوارج و…
يائس من عالمه البائس..
الفقر والبؤس والشقاء والحرمان أكلوا من لحمه هنيئا وشربوا من دمه مريئا..
أمضى السجن عمره وقضاه ودقّ عظمه وهراه.
فما زاده بؤسه إلاّ بأسا على بأسه..
ولا زاده السجن إلاّ شأنا على شأنه..
الحبس داره والجوع زاده والسل والجرب رداءه والاعتقال انطلاقه والأسر حريته والحكام عبيده والوطن غربته والعزلة صاحبته والشعب قرينه..
كانت أشعاره محظورة ذكرها.. كانت كتبه ممنوعة نشرها.
لم يشفع له بؤس الحياة ولا ضنك العيش ولا كفّ البصر ولا سقم البدن من حبسه واعتقاله وسجنه وعقابه وتعذيبه.
ما رحمه جلادوه ولا لانت قيوده.. مكبلا بالسلاسل.. متنقلا من سجن في قلعة إلى قلعة في سجن.
أشتهر عن لسانه بين الناس أنّه قال: كلّما جئت بقصيدة فإذا أنا ألملم خرقي وطراريحي وأحزم فرشي ومخدتي وأنتظر عند الباب مستعدا متحريا عسكري الإمام ليأتي ويقودني إلى سجني.
استمعوا له هنا وهو يحكي بعض معاناة سجنه:
هدني السجن وأدمى القيد ساقي
فتعاييت بجرحي ووثاقي
وأضعت الخطو في شوك الدجى
والعمى والقيد والجرح رفاقي
في سبيل الفجر ما لاقيت في
رحلة التيه وما سوف ألاقي
سوف يفنى كل قيد وقوى
كل سفاح وعطر الجرح باقي
إيه والله، فني كلّ قيد بعد أن تكسر وذهب كلّ سفاح بقوته وسلطانه وما بقي إلاّ عطر جرح الشاعر حائم جاثي.
وهنا مناجاة أخرى مع سجنه:
لا تـسألي يـا أخت أين مجالي؟
أنا في التراب وفي السماء خيالي
لا تـسأليني أيـن أغـلالي، سلي
صمتي وإطراقي عن الأغلال؟
أشواق روحي في السماء وإنما
قدماي في الأصفاد والأوحال
وتوهمي في كل أفقٍ سابحٌ
وأنا هنا في الصمت كالتمثال
أشكو جراحاتي إلى ظلي كما
يشكو الحزين إلى الخليّ السّالي
ويرثي من هنا حال نفسه والكدّ والحرمان والبؤس والشقاء بأبيات عجيبة وغريبة:
يا حياتي ويا حياتي إلي كم
أحتسي من يديك صابا وعلقم
لم أجد ما أريد حتي المعاصي
أحرام علي حتي جهنم؟
في هذا المقام اخترت أربعة من قصائده التي تعدّ بمئات المئات:
ـ أبو تمام وعروبة اليوم
ـ وردة من دم المتنبي
ـ الغزو من الداخل
ـ بشرى النبوءة
شاعر اليمن والعرب: عبد الله بن صالح بن حسن البردوني (عبد الله البردوني)
سئل البردوني ذات مرّة في محطة من محطات سفره عن اليمن وأحواله فأجاب ضاحكا: أنظر إلى وجهي تعرف حال اليمن.
ختم المقدمة بحمد الله تعالى.
- 1 -
فتح الباب الأول بـسم الله تعالى:
أبو تمام وعروبة اليوم
الزمان: 1971
المكان: الموصل ـ العراق
المناسبة: جائزة (أبو تمام) في إمارة الأدب والثقافة والشعر العربي
الحضور: جميع الشعراء في الوطن العربي الكبير والنقاد وجمع هائل من المسئولين والمثقفين والصحفيين ورجال العلم والأعمال.
يطيب لي هنا أن أنقل إليكم ما دونه الأخ العزيز د. رشيد الخيون في صحيفة الشرق الأوسط حول تلك المناسبة وما سبقها ولحقها من هرج ومرج وجدل ولغط ومن أمور يصف فيها حال البردوني والحضور:
} … ويشكر البردوني عماه في وجده وتفوقه الأدبي والثقافي بقوله.
"والله لو لم أكن كفيفا لكنت مثل اخوتي فلاحا أو راعيا أو مغتربا في إحدى دول الخليج"
ولكن كيف يكون كفاف البصر عاملا رئيسيا في هذا الوجود والتفوق كما يصفه صاحب العلاقة؟ هل يعني به العمى العبقري؟ فهناك عميان لا يستدلون طريقهم حتى مع دليلين وعصا، بينما هناك من عادل عماه ملايين العيون المبصرة والمفتوحة على مصراعيها. دعونا نقول إنها ظاهرة " العميان العباقرة" والتي ينتمي لها عبدالله البردوني بكل ثقة عندما وصل عبدالله البردوني إلى العراق للمشاركة في مهرجان أبي تمام عام 1970م لم يعجب البعض هيئته وملابسه البسيطة فوجهه "مجدر" و" دشداشته" لا تليق بالمناسبات الرسمية كما يرى البعض ذلك، لكنه لم يكن رسميا في يوم من الأيام سواء مع أهل السلطة أو مع العامة، تتفجر ضحكته مع الأعماق متى ما أعجبه ذلك، حتى قيل همسا" بدون من الصحراء" وهذا أقل ما يقوله هذا النوع من المثقفين وندما أعتلى المنصة وقال بائيته مخاطبا أبا تمام ومطلعها الذي شاع في العراق بسرعة.
ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب
وعندها سكت من أستاء من هندام البردوني ولم يتطاول أكثر وفي هذا المهجران طلبت منه الشاعرة العراقية المعروفة لميعة عباس عمارة أن يقرأ في اليوم الأول لأهمية شعره، فهي عارفة بدبلوماسية مثل هذه المؤتمرات، وقد تكون بساطة البردوني من ثياب وهيئة عاملا في تقديم غيره من الشعراء المتأنقين، لذلك هرولت إلى وزير الثقافة العراقي آنذاك شفيق الكمالي طالبة منه ضرورة أن يقرأ البردوني في اليوم الأول من أيام المهرجان لعلو شأن الشاعر، وفعلا حصل ذلك رغم أن البردوني لا يفاضل بين الأيام. … {
كان هذا بعض ممّا جاء عن لسان الدكتور الخيون، وأضيف إلى وصفه أنّه بعد انتهاء البردوني من إلقاء قصيدته التي سرعان ما ذاع وشاع صيتها الأفق وغطّت سحائبها وقرعت أجراسها وبلغ صداها الوطن العربي الكبير من محيطه إلى خليجه، قام الجمهور بالتصفيق والتكبير حتى التهبت الأيادي وبحّت الحناجر وتقدم إليه الشاعر نزار قباني الذي كان حاضرا مع جملة من الشعراء من أمثال الشاعر محمود درويش والجواهري والبياتي وغيرهم من الأفذاذ الذين شاركوا في هذه المسابقة حيث أخذ بيد الشاعر البردوني يصافحه ويعرفه بنفسه:
- أنا نزار قباني
فيردّ عليه البردوني مداعبا:
- لا تقل نزار بكسر النون ولكن قل نزار بفتحها
وضحكا الاثنان في عناق واحتضان.
أما صديقه وصاحبه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري فقد هانت عليه قصيدته من بعد أن استمع إلى قصيدة أخيه البردوني ولم يكلف نفسه عناء قراءتها وسجّل حضوره بقوله الخالد:
- "حسبي من المهرجان كله ما قاله شاعر اليمن الكبير الأستاذ عبدالله البردوني"
وقد قال البردوني في رثاء صديقه الشاعر الكبير الجواهري بيته المأثور:
انهي طريقا مستهلا طريق
نهاية العنقود بدء الرحيق
واستحقّ البردوني على قصيدة "أبو تمام وعروبة اليوم" جائزة إمارة الشعر والأدب العربي في الموصل من أرض العراق.. وقد استدعي إلى بغداد فيما بعد حيث قابله رئيس العراق الراحل أحمد حسن البكر وقائد الأركان الراحل صدّام حسين الذي أعجب به أيّما إعجاب، وبعد الاستماع إلى قصيدته، قام صدّام بتقليده الوسام وتسليمه الجائزة الكبرى في حضور عدد من الرؤساء العرب والوزراء والسفراء والمثقفين.
لقد ألقى البردوني هذه القصيدة العصماء منذ نيف وثلاثة عقود كاملة وما تزال تلك القصيدة تتحدث عن نفسها حتى اليوم بالرغم من مرور كلّ تلك السنين العجاف على الأمة وأوطانها.. وكأنّ البردوني بمتنبئ هذا الزمان حيث تنبأ عن أشياء فينبئ عنها ويحذر منها منذ سالف ذلك العهد كي نشهد من بعد ذلك وكيف أنّ الأيام حبلى وقد وضعت حملها كما تنبأ وتوقع.. عينا بعد أثر
لم تكن تلك النبوءة وتلك الفراسة من البردوني بيتيمة أو وحيدة لكن سبقتها ولحقتها نبوءات وفراسة تحققت جميعها على جاري السنين سواء في داخل اليمن أو في خارجه من محيط الوطن العربي وديار الإسلام.
هنا يصور لنا البردوني غزو أميركا للعراق من قبل ربع قرن وازداد سبعا (33سنة):
الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة
ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب
مـاذا فـعلنا؟ غـضبنا كـالرجال ولم
نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب
فـأطفأت شـهب (الـميراج) أنـجمنا
وشـمسنا… وتـحدى نـارها الحطب
وقـاتـلت دونـنا الأبـواق صـامدة
أمـا الـرجال فـماتوا… ثَمّ أو هربوا
يا ترى هل عادت الذاكرة بوزير إعلام العراق السيد محمد سعيد الصحاف إلى مربد والبردوني ليحيي كلمة "العلوج" من دستور البردوني. الله أعلم!
ويتصدى للحكومات بمقولته:
حـكامنا إن تـصدوا لـلحمى اقتحموا
وإن تـصدى لـه الـمستعمر انسحبوا
هـم يـفرشون لـجيش الغزو أعينهم
ويـدعـون وثـوبـاً قـبل أن يـثبوا
ليذهب البردوني إلى أبعد من ذلك في ذكر أميركا بالاسم وعاصمتها واشنطن فيقول:
الـحاكمون و»واشـنطن« حـكومتهم
والـلامعون.. ومـا شـعّوا ولا غربوا
الـقـاتلون نـبوغ الـشعب تـرضيةً
لـلـمعتدين ومــا أجـدتهم الـقُرَب
لـهم شموخ (المثنى) ظـاهراً ولهم
هـوىً إلـى »بـابك الخرمي« ينتسب
ويعود البردوني يروي لعصر أبي تمام وعهد المعتصم و وا معتصماه فيخبرهما عن عروبة اليوم فيا للعجب والطرب:
مـاذا تـرى يـا (أبا تمام) هل كذبت
أحـسابنا؟ أو تـناسى عـرقه الذهب؟
عـروبة الـيوم أخـرى لا يـنم على
وجـودها اسـم ولا لـون.ولا لـقب
تـسـعون ألـفاً (لـعمورية) اتـقدوا
ولـلـمنجم قـالـوا: إنـنـا الـشهب
قـبل: انتظار قطاف الكرم ما انتظروا
نـضج الـعناقيد لـكن قـبلها التهبوا
والـيوم تـسعون مـليوناً ومـا بلغوا
نـضجاً وقـد عصر الزيتون والعنب
وأصغ السمع للبردوني يتحدث عن صنعاء واليمن والعرب:
(حـبيب) وافـيت من صنعاء يحملني
نـسر وخـلف ضلوعي يلهث العرب
مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟
مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب
مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن
ولـم يمت في حشاها العشق والطرب
كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت
فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب
ولم ينتهي الجواب عند البردوني كما لم يتوقف السؤال عند سائله ويظهر أنّ هناك ألف سؤال وسؤال ومن الجواب عن كلّ مسألة ألف جواب وجواب.. يسأل نفسه فتجيبه:
»حـبيب« مـازال فـي عينيك أسئلة
تـبدو… وتـنسى حـكاياها فـتنتقب
ومـاتـزال بـحـلقي ألـف مـبكيةٍ
مـن رهبة البوح تستحيي وتضطرب
يـكـفيك أن عـدانـا أهـدروا دمـنا
ونـحن مـن دمـنا نـحسو ونـحتلب
ويبقي البردوني على بارقة أمل في العروبة أن تعود يوما:
لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها (قحطان) أو(كرب)
وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي (يمن)
ثـان كـحلم الـصبا… ينأى ويقترب
سـحائب الـغزو تـشوينا وتـحجبنا
يـوماً سـتحبل مـن إرعادنا السحب؟
ألا تـرى يـا »أبـا تـمام« بـارقنا
(إن الـسماء تـرجى حـين تحتجب)
أمّا الآن، فأترك المجال لريشة رجل من العراق يصف هذه القصيدة العصماء بما شاء له الوصف ويعبر عنها وعن واقعها بعد نيف وثلاثين سنة وكيف أن هذا الرجل العراقي العربي الشهم الغيور يصف البردوني بلسانه بأوصاف لم يجريها على مواطنه الشاعر العملاق الجواهري.
أترككم مع الأخ العزيز نزار خضير العبادي من العراق ومقالته الباسلة:
"ليت بغداد سألتك قبل أن ترحل"
ليتها سألتك قبل أن ترحل.. وماذا بعد- ياسيدي؟ فما أظن سؤالها (يدميك حياءً)، وقد باتت "صنعاء" ثملى تسامر زهو وحدتها، وأمست "بغداد" تتجرع زعاف الغزو، وتنام صغارها على آرائك (السل والجرب)، ثم يفيقها الوهن لتصطف تحت سارية المحتل منشدة بمليء حناجرها:
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا
قالوا: هم البشر الأرقى وما أكلوا
شيئاً.. كما أكلوا الإنسان أو شربوا
ثلاثة عقود مرت مذ أن وقفت على ضفاف "دجلة" تتلو على الأمة غد أجيالها وتنعي حال العروبة وتنتحب:
عروبة اليوم أخرى لا ينم على
وجودها اسم ولا لون.. ولا لقب
وما كنا حينها لنعلم أنك كنت تقرأ وجوهنا بلا نظر، وتكتب بؤس اليوم بلا قلم، وتستنطق التاريخ من على ناصية "المربد"، فلا تسمع غير ارتجاعات وقع أقدام "العلوج" زاحفة عبر الحدود لوصم عار أمة تغابت سياساتها بلا عقل ولا وعي.. فما كان يدريك- يا سيدي- أنهم عادوا وكيف هي الهزيمة أو النصر!
اليوم عادت علوج (الروم) فاتحة
وموطن العرب المسلوب والسلب
وما كان يدريك بوجه الجبن بين الصفوف ولون الهزيمة إذ يحتدم الموقف فينا، فصرت تقول:
وقاتلت دوننا الأبواق صامتة
أما الرجال فماتوا.. ثم أو هربوا
حكامنا إن تصدوا للحمى اقتحموا
بإن تصدى له المستعمر إنسحبوا
هم يفرشون لجيش الغزو أعينهم
ويدعون وثوبا قبل أن يثبوا
يقيناً كنت وحدك المبصر في عالمنا والآخرون عماء، وكنت أصدق الشعراء نبأً وما دون شعرك غثاء.. لكننا وإن خنقنا (المربد) تصفيقاً لقصيدتك العصماء، وهان شعر "الجواهري" على شاعره فلم يكلف خاطره للإنشاء عناء.. إلا أننا ما حسبنا ما قلته صدقاً أو نبوغاً بل محض هراء، وخلجات شاعريتيه في ليل بؤسه مغترباً:
لكن أنا راحل في غير ما سفرٍ
رحلي دمي.. وطريقى الجمر والحطب
إذا امتطيت ركاباً للنوى فأنا
في داخلي.. امتطي ناري واغترب
قبري ومأساة ميلادي على كتفي
وحولي العدم المنفوخ والصخب
ها عدنا- يا سيدي- إلى الزمان الذي سبقتنا إليه منذ عقود، نلوذ بأوطان جدبة، وشعوب خائرة، نبتلع الموت كما الرغيف، ونصب الدماء كما أباريق الخمر التي يحتسيها (العلوج) على ضفتي الفرات.. عدنا لنسألك: كيف بلغك علم ما سيكون بين "واشنطن" وحكامنا.. ألست أنت القائل من قبل ثلاثة عقود:
الحاكمون و "واشنطن" حكومتهم
واللامعون.. وما شعوا ولا غربوا
القاتلون نبوغ الشعب ترضية
للمعتدين وما أجدتهم القرب
لهم شموخ "المثنى" ظاهراً ولهم
هوىً إلى "بابك الخرمي" ينتسب
فما بالك- يا سيدي- رحلت قبل أن تشهد مآثر عروبتنا في "بغداد"، إذ بات العراق لكل لصوص الدنيا مباحاً ينتهب، وأمسى شعبها- كما وصفك- (شبابة في شفاه الريح تنتحب).. لا أحسبك إلا سبقتنا للحديث عما جرى، وأدركت واقع يومنا حين أخبرتنا:
فاطفأت شهب (الميراج) أنجمنا
وشمسنا.. وتحدى نارها الحطب
وقاتلت دوننا الأبواق صامدة
أما الرجال فماتوا.. ثم أو هربوا
ليتها سألتك قبل أن ترحل.. وماذا بعد –يا سيدي-؟ فتربت على كتفي ولا تقول لي:
شرقت غربت من (والٍ) إلى (ملك)
يحثك الفقر.. أو يقتادك الطلب
فإنك لم تكن محض حزن يؤرق عروبتنا، بل كنت أيضاً بشراها في إشراقة غد قريب، وأمل جديد كان ينبعث من حناياك حين كان تعتصرك العين دمعاً على أنين (يمن متوجع)، فصرت تبشر:
لكنها رغم بخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها (قحطان) أو (كرب)
وفي أسى مقلتيها يغتلي "يمن"
بانٍ حلم الصبا.. ينأى ويقترب
فياليت العراق بسط الأيام كلها لك "مربدا"، وحشد جماهيره على ربى "الموصل" تصفيقاً وهتافاً لألف قصيدة عصماء.. ويا ليتك عدت توقد جذوة الأمل في نفوسنا معتلياً (مربدنا)، مرتلاً علينا:
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا
يوماً ستحبل من إرعادنا السحب
ألا ترى يا "أبا تمام" بارقنا
أن السماء ترجى حين تحتجب
يقيناً حينها لن يتردد (الجواهري) في أن يجيبك من ثراه: "حسبي من المهرجان كله ما قاله شاعر اليمن الكبير الأستاذ عبدالله البردوني": فأي فحول الشعر يستطيب نطقاً إذ تستنطق الفصاحة..!
مـا أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب = وأكـذب السيف إن لم يصدق الغضب
بـيض الـصفائح أهـدى حين تحملها = أيـد إذا غـلبت يـعلو بـها الـغلب
وأقـبح الـنصر… نصر الأقوياء بلا = فهم.. سوى فهم كم باعوا… وكم كسبوا
أدهـى مـن الـجهل علم يطمئن إلى = أنـصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا
قـالوا: هـم الـبشر الأرقى وما أكلوا = شـيئاً.. كـما أكلوا الإنسان أو شربوا
مـاذا جـرى… يـا أبا تمام تسألني؟ = عفواً سأروي.. ولا تسأل.. وما السبب
يـدمي الـسؤال حـياءً حـين نـسأله = كـيف احتفت بالعدى (حيفا) أو (النقب)
مـن ذا يـلبي؟ أمـا إصـرار معتصم؟ = كلا وأخزى من (الأفشين) مـا صلبوا
الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة = ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب
مـاذا فـعلنا؟ غـضبنا كـالرجال ولم = نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب
فـأطفأت شـهب (الـميراج) أنـجمنا = وشـمسنا… وتـحدى نـارها الحطب
وقـاتـلت دونـنا الأبـواق صـامدة = أمـا الـرجال فـماتوا… ثَمّ أو هربوا
حـكامنا إن تـصدوا لـلحمى اقتحموا = وإن تـصدى لـه الـمستعمر انسحبوا
هـم يـفرشون لـجيش الغزو أعينهم = ويـدعـون وثـوبـاً قـبل أن يـثبوا
الـحاكمون و»واشـنطن« حـكومتهم = والـلامعون.. ومـا شـعّوا ولا غربوا
الـقـاتلون نـبوغ الـشعب تـرضيةً = لـلـمعتدين ومــا أجـدتهم الـقُرَب
لـهم شموخ (المثنى) ظـاهراً ولهم = هـوىً إلـى »بـابك الخرمي« ينتسب
مـاذا تـرى يـا (أبا تمام) هل كذبت = أحـسابنا؟ أو تـناسى عـرقه الذهب؟
عـروبة الـيوم أخـرى لا يـنم على = وجـودها اسـم ولا لـون ولا لـقب
تـسـعون ألـفاً (لـعمورية) اتـقدوا = ولـلـمنجم قـالـوا: إنـنـا الـشهب
قـبل: انتظار قطاف الكرم ما انتظروا = نـضج الـعناقيد لـكن قـبلها التهبوا
والـيوم تـسعون مـليوناً ومـا بلغوا = نـضجاً وقـد عصر الزيتون والعنب
تـنسى الـرؤوس العوالي نار نخوتها = إذا امـتـطاها إلـى أسـياده الـذئب
(حـبيب) وافـيت من صنعاء يحملني = نـسر وخـلف ضلوعي يلهث العرب
مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟ = مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب
مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن = ولـم يمت في حشاها العشق والطرب
كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت = فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب
لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت = حبلى وفي بطنها »قحطان« أو »كرب«
وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي »يمن« = ثـان كـحلم الـصب
حميـــــــــنيات - 3 -
* يا منيتي يا سلا خاطري (أو) وانا احبك يا سلام *
فضل محمد اللحجي - طـه فارع - عبد القادر بامخرمة - رجاء باسودان - عبد المحسن المهنّا - رمزي محمد - خالد الملا - عبد الله الرويشد - فؤاد الكبسي - عبد المجيد عبد الله - أصيل أبو بكر بالفقيه - عبد المنعم العامري - سعيد السالم - يوسف العماني - وليد توفيق - أحلام - أصالة نصري - أسماء لمنوّر - نور الهدى - نوال …
يا منيتي يا سلا خاطري (أو) وانا احبك يا سلام ..
كلماتها لا ترقى إلى الشعر الحميني البائد أو القديم أو حتى الحديث .. وهي بعيدة عن مذهب الشعر الحكمي الفصيح .. بل ولا حتى تقف على مفترق الطرق بين هذا وذاك.. فهي أقرب إلى النثر المخترع المعاصر.
وإذا ما قارنا بين كلمات هذه الأغنية مع رائعة القمندان الحمينية التليدة (هل أعجبك يوم في شعري غزير المعاني) بطلت المقارنة بسبب الفارق الشاسع بين القصيدتين لصالح الأخيرة التي احتوت كلّ معاني وفنون الحمينيات والموشحات..
أظنّ بأن كثير من المتفائلين والمعجبين بقصيدة يا منيتي لم يتوقعوا أو يحلموا بأن تحوز هذه القصيدة من الرضا والقبول وتنال من الإعجاب والاستحسان وتطبق بشهرتها الآفاق ما يعجز الفكر عن وصفه واللسان عن تعبيره.. بل وأجزم بأن الشاعر الأمير القمندان لم يكن ليتوقع تلك الشهرة العجيبة لقصيدته أثناء كتابتها وتلحينها وغناءها.
وهل خطر في بال القمندان أو في بال أحد من المعجبين والمتحمسين بأن يأتي يوما تتردد فيه ألحان وغناء هذه القصيدة على لسان العرب والعجم والنصارى واليهود..
من كان يتوقع ذلك؟ بل ومن حلم بشيء كهذا؟ مستحيل !!
كادت أن تشكّل أغنية (يا منيتي يا سلا خاطري) شبه معجزة ..
بل أظنّ أنها قد أضحت اليوم كذلك.. فقد أمكن المستحيل وتحقق الحلم ..
كم وقفت مذهولا، مندهشا أمام هذا الكم من عدد الفنانين والفنانات الذين أدوا هذه الأغنية بمختلف الأصوات .. سيل من الأغاني لا يصدّه صدّ ولا يحجزه سدّ وقد تجاوز كلّ حدّ.
ردّدت أنغام يا منيتي الغربيات والآسيويات والأفريقيات …
تسمعها في الأعراس وفي الإذاعات وفي الحفلات وفي المسارح بل بلغ الحال أنك تسمعها في مدرجات ملاعب الكرة وقد ارتجزت بالأهازيج جماهيرها.
قصيدة: يا منيتي يا سلا خاطري
من كلمات وألحان: الشاعر الفنّان الأمير القمندان أحمد بن فضل بن علي العبدلي اليافعي
محفوظة ومسجلة وموثقة وبالرغم من كلّ ما تقدّم، إلاّ أنّه وللأسف الشديد تسمع أخبار مزورة، عن قصد وعمد، تنسبها إلى فلان تارة وإلى علان أخرى.. وأفضل الزاعمين والمدعين يردونها إلى التراث .
تراث من؟ لا ندري.
تراث أي بلد من البلدان؟ لا ندري.
لأن شهادات الزور والبهتان والنفاق لا صحة لها ولا صدق فيها. فكيف إذا يثبتونها أصحابها؟.
ولماذا كلّ هذا؟ وما هي الدوافع وما أسبابها؟
لا شيء سوى - ربّما - لأنها من اليمن
وأن القصيدة من اليمن
وأن الشاعر من اليمن
وأن المطرب من اليمن.
فإن كانت كما زعموا أنها من التراث فلن يكون غير التراث اليمني .. تراث بلاد اليمن و تراث أهل اليمن.
ولـكن كيف ينبغي لنا قول ذلك.. وتجريد الحقّ من أصحابه.. وقد عرف للقصيدة أصحابها من شاعر وفنّان..
كيف يأتي من ينزع الحقّ من أصحابه دون دليل أو برهان؟
كيف ننسب إلى التراث، وإن كان لليمن، شعرا ولحنا وأغنية.. معروفة أصولها وجذورها وفروعها من بعدما تعرفنا على صاحبها..؟
إنما ينسب إلى التراث ما توارثناه من الشعبيات وجهلنا أسماء مبتدعيها ..
فهل كان القمندان مجهولا؟ وهل يعرّف المجهول ويسمّى؟
بين عشية وضحاها وعلى عين شمس النهار تصبح أغنية (يا منيتي) من الروائع النجدية أو الحجازية القديمة أو تغدو من الفولكلور الكويتي أو الخليجي.
يا سبحان الله!
شيء يفوق كلّ عجب!
سوف أستشهد هنا بمدخلين اثنين، جاء أولهما على لسان وبقلم المحرر الصحفي في جريدة الرياض الأخ العزيز عبد الرحمـن الناصر الذي استعجب حقا كيف فاته التحرّي في خبره والتحقّق من دقّة المصادر والتأكد من صدقها وصحتها.
أما المدخل الثاني فقد حررته بقلمها الكاتبة السعودية العنود العلي العزاني التي صدقت في قولها وعدلت وأنصفت في حكمها.
كتب الأخ العزيز عبد الرحمن الناصر
تحت عنوان:
يامنيتي" تعاطي الكلمة وتولد الإحساس المقنع..!!
حينما تسمع أغنية "يامنيتي" تعود بك الذاكرة إلى الفنان الكويتي عبد المحسن المهنا الذي كان من أهم العوامل الفنية لتقديم الموروثات الغنائية في الخليج العربي، هناك عوامل كثيرة ساعدت هذه الأغنية على البروز بين المتلقين منذ نشأتها في السبعينات تواصلاً مع جيل اليوم.
اعتقد أن الفنان يوسف المهنا قدم عطاءات فنية كبيرة على مستوى تقديم الأعمال الفلكلورية واحتضانها لتصبح من أهم العوامل للاحتفاظ بهذا الموروث الجميل.. أغنية "يامنيتي" لم تكن إلا جملا لحنية رائعة تناسبت مع معطيات الكلمة وقراءة معانيها من خلال الحس والأجراس الموسيقية، المهنا عصارة موروثات وأفكار ساعدته لتقديم الأغنية الرائعة التي مازال فنانو هذا اليوم يعيدون غناءها بالأسلوب الحديث.
هو الحنين والوله والأمنيات لإعادة العلاقة والبعد عن الهجران الذي يعاني منه دائما الحبيب الأكثر شوقاً، هناك عدة اسئلة دائما ما تدور في أذهان المحبين لماذا الهجر؟!بلاشك هذا التواصل الحسي في هذه المعاني كان كفيلا لتقديم مذهب الأغنية وقراءة الحس من خلال المد في "يامنيتي" وكذلك في "يا سلام" والتغير الفجائي في الجزء الآخر من المذهب "ليه الجفا" إلى قفل المذهب للعمل، هذه الأعمال تحتاج للعناية والقراءة المعنية بالحس والتوافق في العطاء.
يا منيتي
يا منيتي يا سلا خاطري
وآنا حبك يا سلام
ليه الجفا ليش تهجرني
وآنا حبك يا سلام.
هناك أجزاء في الأغنية المميزة منها التعاطي مع الكلمة وتوالد الإحساس بين أجزاء العمل، هذه المعطيات لجماليات الأغنية كانت في الكوبليه الثاني والتراقص في الذكريات بالصحبة والمحبة، هي بلاشك قراءة واضحة للكلمة وترويضها حسياً مع النغمات الموسيقية، حاليا قد لا تجد هذه المعطيات للتفاعل بتقديم العمل الغنائي ليكون نواة لمستقبل الأيام.
يترنم على البال عشية الجمر والروض
على غصن السلام
ذكرني بأحبابي
ذكرني بأصحابي.
هو ليس بالبكاء المعتاد سماعه، هو بكاء الروح الذي قد لايسمع!! هي المحبة الدفينة في وجدان المحب هو العناء في لقاء الحبيب؟!هذا المعنى جسد من خلال الجمل اللحنية ومدى تفاعلها في الانتقال لحالة الوصف في "العنق والعين والتغريد" ، عادة التواصل الفني بين الكاتب والملحن وتجسيد دورهما بالتفاعل من المطرب في تقديم إحساسهما وت
حميـــنيات - 2 -
فضل محمد اللحجي - غالب اللحجي - محمد سعد عبد الله - محمد صالح العزاني - محمد عبده - فيصل علوي - محمد الجيلاني - امل كعدل - عبود السقاف …
سرى الليل وا نايم
يمنية الكلمات * يمنية الشاعر * يمنية الألحان * يمنية الغناء…
هي خالصة مخلصة لوجه اليمن المشرق الباسم.
لقد ذكر القائمون على أعمال الفنان القدير محمد عبده والأمناء على تراثه بأن كلمات الأغنية للشاعر المناضل اليمني الشهير عبد الله هادي سبيت .. وفي هذا الإتجاه قد اختلط عليهم الأمر.
فيما يلي كلمات الشاعر المشهور عبد الله سبيت في قصيدة حمينية سلسة عذبة طروب :
سرى الليل وا ** رامي شباك الهوى ** والبحر كله جوى ** وأنته حياتك عصيه
سرى الليل وا ** مَن مِنْ صميمه هوى ** والضر عنده دواء ** والعذل عنده خطيه
سرى الليل وا ** من بالبلية سوى ** مثلي فؤاد أكتوى ** والحب شرعه سويه
————————————
شباك الأسل ** من نسج خيط الأمل ** تحيي صريع القُبل ** ترمي الخلي بالبليه
مصابه جلل ** لكن حياته مثل ** سامي عديم المثل ** مشهور في كل فيّه
فيا ما أحل ** في القلب كم من بطل ** وأعطى سهام المقل ** جسمه وروحه هديه
———————————-
فيا من رمى ** جسمي وروحي أما ** تخشى عظيم السماء ** هل تستمع لي شكيه
كواني الظمأ ** وانته منيع الحمى ** فاسمح بعذب اللمى ** للقلب يطفي صليّه
ودادك سمى ** قلبي إليه أنتمى ** والكل منا ظما ** ياتاج كل الرعيه
———————————–
فياما جنى ** طرفك وياماحنى ** قلبك ويامابنى ** حبك رواسي عليّه
ترفّق بنا ** يامن بطرفه جنى ** من وردنا ما جنى ** واحنا لحبك ضحيه
دهانا الظنا ** والضر قد مسنا ** يامن تعالى بنا ** وأصبح علينا بليه
————————————
يا أبن الناس حبيتك ** وبالدمع أرويتك ** وبالروح غذيتك ** فرحماك بيّه
من الحب سويتك ** وبالصبر ربيتك ** ومن ضعفي قويتك ** فشمَّت فيّه
———————————–
فيا دمعي الغالي ** وياحبي العالي ** ويا صبري الصالي ** جنيتوا عليّه
وياقلبك الخالي ** وياروحك السالي **ويا مرّك الحالي ** على جور غيّه
ذوى غصن آمالي ** فوا نصر عذالي ** ويابحري المالي ** سرى الليل بيّه
———————————-
سل الدهر عن صبري ** سل الكون عن أمري ** سل الحب عن عمري ** ونفسي وفيِّه
علا في الهوى قدري ** صلا في الهوى مري ** شفاءُالهوى ضري ** وبلواه ديّه
إذا ما أنقضى أمري ** فسجل على قبري ** شهيد الهوى العذري ** ونعم الضحيه
تلك كانت القصيدة الرائعة للشاعر سبيت بنصها الحميني الساحر ..
في كلماتها طرب للسامعين وفي مشاهدتها متعة للناظرين
كما تلاحظون فإن قصيدة سبيت الحمينية الفاتنة تختلف تماما في الترتيب والأوزان والعروض والفصاحة عن الرائعة الحمينية البدوية الأخرى التي نالت شهرة واسعة بأداء أغنيتها بصوت أكثر من فنان مشهور.
قصيدة الشاعر المرحوم عبد الله سبيت من نوع الرباعيات الحمينية وقد جاءت على الشكل التالي:
أ – أ – أ – غ * أ – أ – أ – غ * أ – أ – أ – غ
………. ………. ……….
………. ………. ……….
———-
ب – ب – ب – غ * ب – ب – ب – غ * ب – ب – ب – غ
………. ………. ……….
………. ………. ……….
———-
ج – ج – ج – غ * ج – ج – ج – غ * ج – ج – ج – غ
………. ………. ……….
………. ………. ……….
هل رأيتم يا سادتي وسمعتم وأحسستم ولامستم كيف يكون جمال الإيقاع الحميني في السمع والعين والقلب والخاطر.
تلك كانت لوحة هندسية واحدة من رسومات فنية، لا حصر لأشكالها وأنواعها، للألوان الحمينية في الشعر والغناء.
والآن، إلى القصيدة الحمينية الشهيرة الأخرى التي دندن وبلبل وغنّى بها مشاهير المطربين في اليمن أولا ثم في بقية الجزيرة والخليج تاليا.
سرى الليل وا نايم على البحر
ماشي فايدة في منام الليل حل السرية
سرى الليل وا رامي شباك الهوى
والبحر كله نوى وانت حيــاتك شجيه
سرى الليل وا مولى الذهب والرشوش
لا شدوا الخيل شد مهرك العولقية
أنا والنبي مظلوم وانت السبب
وليش وا صاحبي دايم تنكد عليّ
حزرني من الطاقة حرق لي الكبد
وانت دواء للكبد يابو الخدود الندية
تعبنا وكسرنا بوابيرنا والعشق
ما هو لنا لاهل القلوب السليّة
عشانا من الجرشة على كوملي
والماي بالوزن خارج البحرمن وقيه
انا لي سنة شاقي ولا شفت شي
والحر يعرف علي والرطل يرجح وقية
يا ابن الناس حبيتك وحبيت انا
يا ريت انا ملك لك والا تقع ملك ليّ
وانا بوعبدالله ما توطى لحد
الا المقادير ساقتني لبوكم هديّة
حكمنا على الحُجَري يجيب حجرية
والعبد له جارية والصومالي صومالية
ملكت السماء و الأرض ماهي لحد
أستغفر الله يحسبها عليّ خطيّه
سماها و كرسيها لخلاقها و الأرض
لك ملكها و الناس تحتك رعيه
بنظر
أشتهر الشعر الغنائي اليمني بالشعر الحميني وانضم إلى قافلته عدد بارز من جمّالة الشعر وخيّالته، جميعهم من اليمن ـ باستثناء ثلاثة من الذين سكنوا أرض اليمن من أصل تركي وهما ابن سناء الملك وحيدر آغا وسليم شعبان.
الشعر الحميني يتماثل بخصائصه مع الشعر العربي الفصيح.. يحمل أحيانا أو ربما في غالب الأحيان لهجات أهل اليمن من مختلف القرى والمدن والجبل والساحل دون اختلال في شروط وأحكام وقواعد ونصوص الشعر العربي الفصيح لكن تغلب عليه الكلمات الدارجة ولا يلتزم بقواعد العربية الفصحى وربما بعروضها ومفرداتها بعكس الشعر الحكمي الملتزم.. مبسط القول بأنه بينما تدلّ كلمة "حكمي" على الشعر الملتزم بقواعد اللغة الفصحى وعروضها ومفرداتها فإن كلمة "حميني" تعني عكس ذلك.
ومع هذا لا يجوز لنا تصنيف الحمينيات مع الشعبيات أو النبطي أو النثر فهي أغنى وأرقى كثيرا وقديمة جدا.
يشتمل تحليل أوزان القصائد الحمينية وتشطيرها على الأبحر المعروفة بمجملها حتى المهملة منها.
تكاد كلمات القصائد الحمينية أن تنفتح على بيئة محلية خاصة ممّا يؤدي في بعض الأحيان إلى انغلاقها على ما عداها وأن تتوغل في العامية إلى درجة السوقية حتى يقف الحضرمي عاجزا عن فهم الصنعاني والعدني عن فهم الزبيدي والتعزي عن فهم اللحجي….
تحاكي القصائد الحمينية مواضيع شتّى حيث نجدها تنطق عن الحب بأصنافه من عذري وغزلي وجنسي وتناجي في الدين وفي التصوف والحب الروحي وتمزج بين الحب الجنسي الدنيوي والحب الأفلاطوني الفلسفي وتتغزل بالمذكر كما تفشي مفاتن الأنثى بوضوح وتعاقر الخمر بأصناف كؤوس الصهباء والمدام والراح وتسفر وتتبرج بالاستمتاع بالحياة وخضرتها ونضارتها , وأيضا للقات فيها دور ملعوب منذ الأزل وترسم ألواح مزخرفة للموسيقى والرقص والمرأة والبيئة والمجتمع والواقع ولا يخلو عنصر الدين والتدين من باكورتها إلى خواتيمها فالذكر والصلوات حاضرة دوما لا تغيب.
هي فنّ بكلّ ما للفنّ من معنى.
لا يعتمد الشعر الحميني على القصيدة العمودية وحدها بل نوّع وشكّل في القافية بألوان متعددة لم تعرف قبله حتّى استمّد من نهجه وسار على منواله الشعر الأندلسي والموصوف بالموشحات وما تلاه من تطورات في الشعر الغنائي العربي الحديث بل امتدّ التمثّل بالشعر الحميني إلى الأدب الأوروبي الذي قام شعراءه بتقليده تماما.
لا يعرف بالتحديد تأريخ ولادة الشعر الحميني.. لكن بعض الباحثين والمحققين والمختصين في أدبه قد أرجعوا تأريخ نشأته إلى القرن الرابع الهجري ، ومنهم من ذكر بأنه قد بدأ مع الدولة العباسية في القرنين الهجريين الثاني والثالث.
كما سوف يلاحظ القارئ الكريم بأنّي لم أجعل موضوعي حكرا على الشعر الحميني وحده من مبيتات وموشحات وإنما مزجته أيضا بالشعر الحكمي الذي يراد منه، بلسان أهل اليمن، الشعر العربي ذو البيان الفصيح والقوافي الواضحة ، كذلك أيضا لم أستبعد من موضوعي الشعر الصوفي الذي يشكّل بذاته شعرا مستقلا ونسيج وحده عند أهل الأدب والثقافة.. ذلك أن الأغنية اليمنية مذ ألف سنة وأكثر تقلدت وتزينت بكلّ أوشحة وأوسمة أطياف الشعر بمختلف عصوره من الجاهلية والبدوية والمدنية والدينية والحكمية والصوفية والساحلية والتقليدية والحديثة…
ليس هذا بمجال كاف لأفند فيه وأطيل الشرح حول القصيدة الحمينية وتأريخها وأعدّد قوائم أسماء جهابذة شعراءها وأوصافهم.. تاركا هذا المشروع إلى زمن مؤجل في مقام آخر بإذن الله تعالى.
الحمينيات المختارة مني لن تقتصر على قديمها ولـكن سوف تتنوع من القديم العتيق إلى الحديث الجديد المعاصر مرورا بالوسط القريب أو البعيد.
الحمينيات المختارة مني لن تكتفي باللون الغنائي الصنعاني أو اليافعي بل ستشمل كافة الفنون بمختلف أنواعها ورموزها من لحجية وحضرمية وصوفية وعدنية وحُجَرِية (التعزية) وبدوية وساحلية وسواحيلية وهندو- يمانية…الخ.
اخترت لموضوعي عنوان "حمينيات".. هذه هي الحلقة الأولى من مسلسل ربما يستمر إلى أكثر من مائة حلقة ـ بإذن الله تعالى ـ سوف تخصّص كلّ حلقة لقصيدة وشاعرها ومطربيها بالدراسة والبحث العميقين والتوثيق .. وبهذا يتم اصطياد عصفورين بحجر واحد وربما عشرة عصافير.. لأني رأيت في مثل هذا العمل بعض الحفظ إن لم يكن كلّه لحقوق اليمن وأهله وفنونه.. فلا ينازعهم على حقهم منازع.
لا مانع من المناقشة والحوار بالدليل والبرهان بل أنّي أرى وجوب ذلك للحقيقة، فالرأي الآخر بغير تعصب مطلوب .
وليس بالضروري أن تكون الأغنية أو اللحن مجال نزاع وتضارب، إذ ربما جاءت قصيدة وأغنية في بعض مسلسل حلقاتنا من دون منازعات كأن يتفرّد بغنائها أبناء اليمن دون شريك آخر ، ولـكن في مثل تلك الحالة سوف يكون التوثيق سهلا لتحقق السبق فيها لليمنيين على الذين سوف بأتون من بعدهم وينهلوا من تراثهم المحفوظ بإذن الله تعالى.
قبل مباشرة المشروع، وجب عليّ أن أذكر أسماء المغنيين المحترفين الذين لمعت نجومهم في سماء اليمن، وبفضلهم بعد فضله تعالى علينا وعليهم، وجدنا تراثنا قائما حتى اليوم لم يزل ، فكما خلدوه فنا طربا عاطرا ، أقل ما ينبغي علينا فعله هو تخليد أسماء أولئك الأساطين والأساطير والسلاطين.
وفيما يلي سوف أقوم على تقسيمهم إلى ثلاثة أجيال.. أخصّ الرعيل الأول برأس الأقسام وهم من الذين لم يلحق البعض منهم أدوات الحضارة من اسطوانات وعجلات وكاسيتات ومختلف آلات التسجيل بأنواعها.. ثم أعرج على الجيل الثاني الرهيب صاحب الوثائق والمواثيق وفي الختام أنعطف على الجيل الثالث الذين حملوا بأيديهم المشاعل وورثوا عن أسلافهم ذاك التراث الضخم العملاق الضارب بجذور التأريخ والمحفور بجدرانه.
قائمة التحديد لا تنظر إلى عرق أو عصب أو جنسية أو مناطقية.. وإنما تشتمل على كلّ من يرجع بنسبه ويعود بجذوره إلى أرض اليمن.
سلاطين الرعيل الأول:
1- عتيق وزير 2- درويش محمد 3- العطيف 4- سعد عبد الله ( والد الفنان محمد سعد ) 5- محمد طالب 6- محمد العطاب 7- هادي سبيت ( والد الشاعر عبد الله سبيت ) 8- الزراقة 9- عبد الجبار فقيه 10- سلطان بن الشيخ علي بن هرهرة 11- أحمد السالمي 12- حسن العجمي 13- محمد كوكبان 14- أحمد الحمامي …
ملوك العهد التالي:
1- علي بو بكر باشراحيل 2- صالح عبد الله العنتري 3- عبد الرحمـن الماس 4- محمد الماس 5- إبراهيم الماس 6- علي عوض الجراش 7- أحمد عبيد قعطبي 8- أحمد عوض الجراش 9- عوض عبد الله المسلمي 10- محمد جمعه خان 11- شيخ البار 12- فضل محمد اللحجي 13- قاسم الأخفش 14- عمر محفوظ غابة 15- محمد سعد عبد الله 16- محمد مرشد ناجي 17- محمد حمود الحارثي…
يضاف إلى القائمة أسماء الذين منعتهم ظروف معيشتهم وصعوبة الحياة من إكمال مشوارهم الفنّي ولم يسجّل لهم في ذاكرة الزمن سوى بعض الأغاني التي بقيت خالدة في ذكرانا حتى اليوم:
17- عبده عجين 18- مسعود اللحجي 19- هادي سالم 20- حامد عوض 21- عبادي علي 22- محمد البربراوي 23- صالح قايد 24- طـه محمد خليل 25- عوض سالم 26- سيف ناجي 27- فضل ماطر 28- علي المريسي 29- حسين أفندي 30- محمد منصور 31- سعد اللحجي 32- الأستاذ المهندس شنذي 33- علي الجمالي 34- محمد المكاوي…
أمراء الجيل الثالث:
1- عبد القادر بامخرمة 2- صالح باعيسى 3- أبو بكر بالفقيه 4- طلال مداح 5- محمد عبده 6- محمد الجيلاني 7- محمد باسويد 8- خليل محمد خليل 9- عبد الرب إدريس 10- أحمد فتحي 11- سالم بامدهف 12- فيصل علوي 13- بدوي زبير 14- سعيد عبد المعين 15- غالب اللحجي 16- صالح بوبل 17- أحمد قاسم 18- أنور أحمد قاسم 19- محمد محسن عطروش 20- العزاني 21- محمد عبده زيدي 22- كرامة مرسال 23- عبد المجيد عبد الله 24- علي الآنسي 25- أيوب طارش 26- عبد الباسط العبسي 27- أحمد السنيدار 28- محمد قلالة 29- علي السمه 30- محمد الخميسي 31- محمد العوامي 32- عبد الكريم علي 33- العامري 34- علي بن محمد 35- كندارة 36- الزبيدي 37- عبد الرحمـن الحداد 38- الكبسي 39- عوض أحمد 40- حسين محب41- الخنبشي 42- عبود خواجة 43- العطيري 44- أحمد تكرير 45- إسكندر ثابت 46- إبراهيم سعيد 47- عثمان علي عثمان 48- سعيد العميري 49- علي إبراهيم 50- أبو بكر المعنى 51- علي صالح اليافعي 52- الدباشي 53- محمد سالم بن شامخ…
بالتأ
كوكب الشرق
أم كلثوم
هرم الغناء العربي

من بواكير أغاني الستّ وأغنيتها الأولى: مالي فتنت بلحظك الفتّاك
أغنية أو طقطوقة أم كلثوم الدلاعة والخلاعة مذهبي من زمان قد أثارت ضجة كبرى وقتها وقد قام الشيخ أبو العلاء محمد وأيضا الشيخ زكريا أحمد وكذلك الأستاذ أحمد رامي والأباء الروحيين المسئولين عن صناعة صورة أم كلثوم في ذلك الحين بإقناعها بضرورة سحب تلك الاسطوانة الخادشة للعفاف للحياء.
كتب كلماتها الأستاذ يونس القاضي كما كتب قبلها كلمات غنتها منيرة المهدية تقول كلماتها:
ارخي الستارة إللي في ريحنا..احسن جيرانك تجرحنا، وكانت منيرة المهدية تثير حواس المستمعين ببحة في صوتها فيها طابع جنسي يشبه بحة الأغاني التي يغنيها الأميركان اليوم في أغانيهم الراقصة.
وقد دافع عن نفسه فيما بعد الأستاذ القاضي خلال حوار أجري معه وكان يدافع عن أغنية إرخى الستارة فقال انها بالقياس مع زمنها، ومع ما كان ما يغنى قبالها أغنية محتشمة، وقال: ألا تستمعون الى أغنية لفايزة أحمد تقول فيها قومى افتحى له الباب والاّ أناديله.
وللغرابة أن يونس القاضي فور توليه منصب مراقب الداخلية أصدر قرارات بشطب ومنع كل الأغانى التى تمس العفاف والمشاعر، فكان أول ما فعله أن صادر أغانيه التى لاحقته سمعتها السيئة إرخى الستارة اللى فى ريحنا تلحين زكريا أحمد وبعد العشا تلحين محمد القصبجى وفيك عشرة كوتشينة تلحين وغناء عبد الوهاب، و انا مالى هى اللى قالتلى تلحين وغناء سيد درويش كما صادر ألأغنية الهابطة تلك لأم كلثوم من تلحين صبرى النجريدى وهي الخلاعة والدلاعة مذهبى من زمان
*****
مائة عام تقريبا وما من فنّان ولا فنّانة غير ستّ الكلّ وكوكب الشرق وسيدة الغناء العربي ..
مرّت مئات السنين قبلها ولم نسمع بمثلها وبمثل أغانيها لا من وداد ولا فاطمة ولا سلاّمة ..
وقد نحتاج إلى مائة عام أو مئات من سنين حتى يلوح في الأفق مثلها.
أمّ كلثوم!
الساحرة .. الفاتنة ..
أم كلثوم!
صاحبة المجد والشهرة!
رفيقة الملوك والزعماء والشعراء والملحنين والفنانين!
أم كلثوم! صوت الأطلال!
صوت الشعب العربي!
قال عنها الفرنسي: ما وقفت على الاوبرا قبلها كماها ولن تقف مثلها بعدها.
رفعها التونسي على رأسه وكتفيه قائلا: مثل هذه القدمين لا تمشي على الأرض وإنّما على ظهري أنا.
جنّ جنون السودان من كسلا إلى الخرطوم.
فتحت مصر عينيها لترى مع أبا الهول وخوفو وخفرع ومنقرع وتوت غنخ آمون ورمسيس … أم كلثوم.
تلك أم كلثوم الملك فاروق والملك فيصل والزعيم عبد الناصر وحتى الامام أحمد والثائر بن بلاّ وطلعت حرب وبو رقيبة والحسن والصباح وصدّام والحسين والأسد والنميري .
تلك أم كلثوم أحمد شوقي بك والعقاد والريحاني والحكيم وطه حسين وأحمد رامي وعبد الله الفيصل والهادي آدم وبيرم التونسي ومحمد إقبال… و…
تلك أم كلثوم أبا العلا وزكريا أحمد والقصبجي والسنباطي ومكاوي وبليغ حمدي و …
تلك أم كلثوم الأطلال وأنت عمري وأغدا ألقاك وحديث الروح وأراك عصي الدمع وأمل حياتي وألف ليلة وليلة وسيرة الحب وثورة الشك وفكروني ومن أجل عينيك و… و… و…
أم كلثوم، جبل سينا الواقف ونهر النيل الجاري
أم كلثوم، تأريخ لا يقف عند كلمة أو قصيدة أو كتاب أو مجلّد أو موسوعة.
عبد الناصر - أم كلثوم - عبد الحليم
في مناسبة من أعياد الثورة كان يحضره جميع الفنانين للغناء أمام رئيسهم، وقد كان من جملة الحاضرين عبد الوهاب وفريد وعبد الحليم وطبعا أم كلثوم.. وقد جرت العادة في مثل هذه المناسبة أن تختتم أم كلثوم الحفلة بوصلتها الغنائية.. وقد غنّا جميع الفنانون وجاء الدور قبل الأخير على عبد الحليم، فإذا به يفاجأ بأن الستّ قد تقدمت لأداء وصلتها، وما من أحد يستطيع إعتراض طريقها .. ووقف عبد الحليم خلف ستارة في ركن المسرح وقد ذرفت عيناه الدموع.. هناك يبكي عبد الحليم لأنه لم يغنّي أمام زعيمه الذي يحبّه وطالما تغنّى بإسمه.. وانّها المرّة الأولى التي سوف يقف فيها عبد الحليم أمّام هذا الرجل الزعيم.. وقد شاهده جمال في هذه الحالة، وعندما أكملت أم كلثوم وصلتها الغنائية أمام تصفيق القادة وعلى رأسهم الزعيم، أسدل الس
لبنان الأرز والجبل والتين
لبنان بعلبك وبيت الدين
لبنان العاصي والليطاني والحمراء والكورنيش
لبنان الحب والحرب والفرسان والغزلان
لبنان الحرية والديمقراطية والرأي والرأي الآخر
لبنان الأدب والفنّ والفكر والصحافة والقلم
لبنان أبو ماضي والريحاني وجبران والأخطل الصغير
لبنان الدبكة والدلعونا والميجانا والهوارة
لبنان فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين
ذلك هو: نصري شمس الدين
ش
الموسيقار المايسترو محمد محسن عطروش
في واحدة من قرى ضواحي مدينة زنجبار في محافظة أبين (قرية المحل)
ولد فناننا محمد محسن عطروش لأسرة فقيرة تعول اثني عشر أخ وأخت
للأب الشيخ الكبير المقرئ العلامة محسن عبدالله عطروش
كان ترتيب فناننا بين أشقائه الذكور في الأسرة الأول
نشأ فناننا على تربية صوفية دينية خالصة في احدى مقامات عباد الله الصالحين
يذكر الرواة بأنّ بداية حياته العملية كانت شاقة وصعيبة حيث بدأ مسيرته في رعي الأغنام
ثم العمل بحياكة وخياطة أزرار ملابس الجيش والشرطة في السلطنة الفضلية
درس على يدي الشيخين القاضي عبد الكريم العنسي والأستاذ عبد العزيز نصر رحمهما الله تعالى وغفر لهما
أستطاع الفنان محمد محسن عطروش أن يجيد اللغة العربية إجادة تامة
حيث أجاد باقتدار قواعد اللغة والصرف والنحو
واصل علومه الثانوية حتى تخرج باقتدار من إحدى كلّيات جامعة القاهرة في العام 1967 تخصّص أدب انجليزي
حيث أجاد اللغة الانجليزية اجادة تامة وكان آنذاك من الذين تميزوا بمعرفتهم بالأدب الانجليزي
كان محمد محسن عطروش تلميذا نجيبا وطالبا مجتهدا في دراسته
حيث استحقّ أن يكون من العشرة الأوائل في الدراسة بالجمهورة العربية المتحدة ( مصر )
وحاز على ذلك الترتيب وسام عيد العلم بكلّ جدارة واستحقاق جزاء تفوقه في التعليم
عمل بعد ذلك مدرسا للغة الانجليزية وأيضا قام على تدريس الرياضيات
حتى جاء نقله إلى وزارة الثقافة بعد أن أصبح فنانا مرموقا
تأثر فناننا كثيرا في حياته بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر وبالثورة وبالقومية العربية آنذاك
كما قد تأثّر في أواخر الستينيات وكذلك في السبعينيات من القرن الماضي بالقائد معمّر القدافي
وربما نجد في ذلك أسباب توجهه إلى الاناشيد الوطنية والأغاني الحماسية والشبابية للكفاح والنضال
فهو من غنّى للوطن والشباب والثورة على سبيل المثال لا الحصر أغانيه الحماسية المشهورة :
برع ياستعمار برع
من ارض الاحرار برع
هيا للحرية هيا للثوريـة
واللي يهوى يكويه التيار
تيار الحرية تيار الثورية تيار القومية
وأيضا:
شعب الجنوب هيا هيا هيا ناضل للتتحرر
يالحج ياضالع ياعوذلي يااب باساكني يافع ياحوشبي اخضر
ياحضرموت الوادي ياعولقي
على المدفع الهادر على الرشاش والخنجر
ناضل للتحرر
وأيضا:
انا مدافع تهد وتدفع
انا مدافع تدك وتردع
انا رشاش رصاصي يلعلع
انا بازوكا تهاوي وتصرع
أتسمع ! أتسمع !
وكذلك أيضا:
ابن الجنوب دور
تشتي سلاطين لالا
تشتي رجعيين لالا
سانزع اليوم حقي
بيدي بالسلاح
ان السلاح او الليل اذا جثم
في صوته نور الصباح
ولم يقتصر دور فناننا على الأنشودات الثورية والأغنيات الحماسية فقط
فقد غنّى أيضا أجمل وأرقّ الأغاني العاطفية المشهورة والمعروفة.
قد ألقيت على الفنان محمد محسن عطروش تهم شتّى من البعض لا ندري عن مدى حقيقتها
حيث أتهمه البعض بالتجسس والعمالة وأنه مخبر للحزب الاش

مات صالح عبد الله العنتري دون أن يدري بموته أحد.
مات أحمد عبيد قعطبي سقيما دون أن يسأل عنه أحد.
مات فضل محمد اللحجي مقتولا مظلوما بعد أن أذاقته الحياة ضنك العيش وتقلبّات الأيام.
مات محمد جمعه خان لا يمتلك حق الدواء ولم يسعفه أحد،
مات شيخ البار ومات صالح با عيسى غريبا الأوطان والديار لم يتواصل معهما أحد.
وقد مات الشيخ علي أبو بكر والأخفش والمسلّمي والدباشي والماس والجرّاش وعمر غابة ومحمد سعد عبد الله وعبد القادر با مخرمة… كلّ قد مات إمّا فقيرا معدما أو غريبا مهاجرا.
وفناننا وشاعرنا الغنائي القدير لم يكن أحسن حظا ولا أوفر نصيبا ممّن سبقوه، قد كتب ذلك على فناني اليمن، رأينا من هم أقلّ كفاءة وابداعا في الدول العربية يتمتعون برغد العيش والرفاه، فالبعض منهم أنّه بظنّه قد أمّن مستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده وأبناء الجيران، وبعضهم قد أقام على نفسه الحرّاس وكأنه زعيم أو قائد أو سلطان، ولم تعد السيّارات الفارهة تغري البعض حتى أصبح لديهم أسطولهم الخاص..
حكى لي أحد الأصدقاء بأن المرحوم الفنان أحمد بن يسلم خميس (بدوي زبير) كان يصطحب معه عوده ويركب السيارة الأجرة من شبام إلى الشحر (360كم) لاحياء حفلة لأحد الأصدقاء والمعاريف.
رحم الله فنانونا جزاء تواضعهم ومعروفهم.
محمد سعد عبد الله، أمير الكلمة واللحن والأغنية، إذا كان هناك من لون عدني في الغناء اليمني جاز لنا تسميته، فانه يعود للفنان محمد سعد (أبو مشتاق) ثم للفنانين الذين لحقوا بموكبه أمثال طه فارع والعطروش والعزاني وزيدي وعوض أحمد، ولا ننسى الفنان القدير محمد مرشد ناجي الذي قدّم شيء منها أيضا.
أشتهر الغناء اليمني بمربعه ذو الألوان: الصنعانية..اليافعية..اللحجية والحضرمية.. وحتى منتصف القرن الماضي لم يكن متداولا أو حتى معروفا لونا آخر غير هذه الأربعة.
بعد الخمسينيات من القرن الماضي وبالتحديد في الستينيات والسبعينيات منه بدأ بروز الأغنية العدنية والذي يعتبر الشيخ محمد سعد عبد الله بكلماته وألحانه وغناءه سببا رئيسا في انتشارها، فقد لعب دورا نشطا في ابرازها على الساحة اليمنية وانتشارها في الجزيرة والخليج.
أتت الأغنية العدنية بمواصفات تكاد تشابه الأغنية المصرية العصرية، ربما يعود ذلك إلى تخرّج بعض الفنانين اليمنيين من أكاديميات الفنون والموسيقى بالقاهرة في العقود الأخيرة وتأثرهم بالالحان المصرية المعاصرة.
لا تحتاج الأغنية العدنية إلى معلقات امرؤ القيس أو عنترة ولا كلمات المتنبي وأبو فراس، تكاد تكون قريبة من النزاريات القبانية منها الى الشوقيات أو البردونيات.. كما أن الأغنية العدنية ليست بحاجة إلى الحمينيات كما هو الحال عند الأغنية الصنعانية والحضرمية واليافعية واللحجية.
الفنان محمد سعد عبد الله برع وأبدع في لونه العدني كما برع وأبدع في حمينياته المشهورة عنه، عاصر فناننا شيوخ وأساطين وسلاطين الطرب في اليمن أمثال الشيخ العنتري والقعطبي ومحمد جمعه خان والمسلمي والجرّاش وغيرهم. قد تأثّر كثيرا ـ حسب ذكره ـ بالفنانين الأخيرين الجرّاش والمسلمي وتعلّم منهما أداء الغناء الصنعاني واليافعي الذي أصبح فيما بعد أستاذا فيهما للأجيال اللاحقة.
يعدّ الفنان الشيخ محمد سعد عبد الله من المشايخ المعدودين والمشهورين في الغناء اليمني ووالده المرحوم سعد عبد الله كان من كبار المطربين والشعّار.. يمتاز محمد سعد عبد الله على سائر الفنانين بأنه صاحب شعر وكلمة قلّما تجد مثيله في أقرانه.
أثرى متحف الغناء اليمني وأروقته بتراث خاص به، قلّده الكثيرون من الفنانين اليمنيين وفنانو الجزيرة والخليج وإن لم يحفظ البعض له حقوقه وأنكر عليه ذلك وذهب آخرون بنسب حقوقه اليهم دون وازع من ضمير على مرأى ومسمع كل المعجبين بهذا الفنان القدير وفنونه.. عزاءنا أن ما جرى لم يجري فقط على الفنان محمد سعد عبد الله بل أنه عمّ وشمل جملة تراث اليمن.
ألتقيت واجتمعت بالفنان محمد سعد عبد الله مرتين أثناء احياءه بعض الجلسات الاحتفالية في بعض المناسبات المقامة بجدة، وأستطيع أن أؤكّد لكم بأنه ما كان ليحضرها لولا عوزة المال لسدّ حاجة العيال، ما كان محمد سعد ذو ثراء ولم يجني من فنّه سوى حبّ الناس الطيبين. قد عانى رحمه الله من الحسّاد والعواذل كما عانى من هجر وفراق الاحباب واستغناء الأصدقاء وحتى من ظلم ذوي القربى لكنّ محمد سعد ظلّ رمزا وذكرى أمّا هم فقد صاروا نسيا.
معاناة محمد سعد لم تقتصر عليه وحده بل ورثوها من بعده زوجه وولده.
صحيح أن الدولة كرمته واطلقت اسمه "شارع محمد سعد عبد الله" وخلدته على الشارع الممتد بدءا من أمام مكتب بريد الشيخ عثمان مرورا بملاهي عدن وانتهاء بالطريق العام المؤدي الى مدينة دار سعد، فشكرا للدولة على تذكرها واكرامها لهذا الفنان الموسيقار النابغة وليت الدولة أيضا نظرت بعين مسئوليتها على أهل بيته الذين لم يترك لهم المرحوم شيئا من متاع الدنيا بعد وفاته.
أطلق عليه زميله وصديقه وأخيه الفنان محمد مرشد ناجي لقب الشيخ محمد سعد عبد الله حيث أعتبره من مشايخ الغناء اليمني القديم ومشاهيره، وقد كان المرشدي محقّا في وصفه.. فلعمرى انها صفة في محلّها بعيدة عن المجاملات، وان لم يكن الشيخ محمد سعد عبد الله بالشيخ فمن.؟
الحديث عن محمد سعد عبد الله حديث ذو شجون، كتب عنه الكثيرون وسوف أنقل اليكم بعض ما جاء فيها عن سيرته وحياته وسوف أبداء بتقرير كتبه الأخ العزيز الصحفي المحرر في صحيفة الرياض الأستاذ/ عبد الرحمـن الناصر في عددها المنشور في يوم الجمعة 23 شوال 1426هـ - 25 نوفمبر 2005م - العدد 13668تحت عنوان: محمد سعد عبدالله تاريخ مضيء في عالم الفن الغنائي اليمني
زوجته ما زالت في جدة وتطلب المساعدة وحالتها الصحية متردية
وهي لشهادة من أخ سعودي عزيز لا تربطه تلك العلاقة التي توصف بالوثيقة بالفنان الراحل.
فيما يلي التقرير كما حرره الصحفي العزيز الناصر ونشرته جريدة الرياض:
![]() |
![]() |
|
|
محمد سعد عبدالله
تقرير - عبدالرحمن الناصر الفن باليمن نما وازدهر بتنوع الأساليب التي تناولها الفنانون آن ذاك، ومنها انطلق ليغزو مسامع الوطن العربي أين ما كان، بل استفادوا منها كثيراً لصياغة أعمالهم الغنائية، ومن الفنانين الذين صالوا وجالوا في تقديم أعمالهم لتنال ثقة الفن ومستمعيه الفنان محمد سعد عبدالله (رحمه الله) والذي تغنى بأعماله العديد من الفنانين العرب والذين يطلق عليهم النجوم، محمد سعد عبدالله رحمه الله والذي عاش في بيروت أكثر من ثلاث سنوات استفاد منها بتعليم قدرته على صياغة الألحان الموسيقية وقدم خلالها مجموعة كبيرة للفنانين اللبنانين منهم (هيام يونس) والتي أجادت في غناء (يا اللي الدلع ضيعك) وكذلك (أنت وسط قلبي) وغيرها، والفنان السوري فهد بلان رحمه الله قدم له أعمالاً وجدت أصداء واسعة في الوسط الفني ، وقبل ذلك قدم أغنيته الشهيرة (محلى السمر جنبك) كأول أعماله والذي قدمه لجمهوره في اليمن توالت بعدها الأعمال منها عتاب) و(من بلى بالهوى) وكذلك (مد يا زين ايدك) و(محلى ما يعجبك روح) إلا أن الأشهر في أعماله (غيروك الناس) وكذلك(أنا ما اقدر أنساك)، محمد سعد عبدالله الذي توفي في 16/2/2002م لم يكن كالفنانين السابقين، بل كان يقدم أعماله الفنية ليستمتع بها الجمهور فقط ولذلك ما زال البعض يجهل العدد الكبير من أعماله منها أغنية (كلمة ولو جبر خاطر) التي تغنى بها عبادي الجوهر، كذلك أغنية (يوم الأحد في طريقي) للدكتور عبدالرب إدريس وأيضاً أغنية (لا بكى ولا شكوى تفيد) التي شدا بها صوت الأرض (طلال مداح) رحمه الله، لكن ما زالت أعماله لدى الفنان محمد عبده التي قالت عنها زوجة محمد سعد عبدالله إنها تتعدى الاثنين وعشرين عملاً غنائياً سجلت موسيقياً ولكنها ما زالت لدى الفنان محمد عبده وهي لم تطرح لسوق الكاسيت إلى الآن. الفنان محمد سعد عبدالله الذي تواجد في محافظة جدة لسنوات كثيرة حتى عام 1991م بل ان أول إنتاجاته الغنائية كانت في تلفزيون جدة في أغنية (يا ناس ردوا حبيبي)، أيضاً تواجد في الكويت لسنوات قدم خلالها أعمالاً وتعاون مع فنانين آخرين منهم عبدالله الرويشد وأيضاً علي بن محمد أخيراً. الفنان اليمني محمد سعد عبدالله كرّم قبل وفاته من شركة العفيف التي تهتم بالثقافة اليمنية كما كرمته الدولة بعد وفاته وأصدرت أمراً بتسمية أحد شوارع عدن باسمه كما قدمت له كتاباً يوجز أعماله في مجال الثقافة والفنون في اليمن إلا أنه قبل وفاته سبق وقدم كتاب (لهيب الشوق) الذي تناول مجموعة من الأعمال الغنائية والتراث اليمني والرحلات المكوكية بين العواصم العربية ليقدم أعماله من خلالها. محمد سعد عبدالله والذي كان مشرفاً على الفنون في إذاعة عدن كما عمل في إذاعة صنعاء وهو الذي درس وتعلم في المعهد الموسيقي قبل توليه هذه المناصب. زوجة الفنان محمد سعد عبدالله التي ما زالت متواجدة في محافظة جدة تحدثت ل «ثقافة اليوم» وقالت إنني عشت معه خمسة وعشرين عاماً ربيت أولاده الخمسة أحسن تربية وعشنا في جدة زمناً طويلاً، بعدها ذهبنا مع محمد سعد لعدن وذلك بعد حرب الخيج ولكن بعد وفاته عدت لجدة لأن فيها حنين يجذبني وأنا عشت مع زوجي محمد سعد عبدالله أحلى سنين عمري بها، ثم لا ننسى أن مجيئي لجدة كان للعلاج والكل يعرف ما نعانيه في اليمن، وأنا الآن أسكن مع جماعة قريبين لي جزاهم الله خيراً وهم يعينونني، وأحياناً اقترض منهم المبالغ لأشتري علاجي كما لا ننسى أنني استلف قيمة تجديد الإقامة منهم، وأنا الآن في أمس الحاجة لمساعدتي فأنا مريضة واحتاج للعلاج والإعانة . يذكر أن للفنان محمد سعد عبدالله ثلاث بنات وولدين (مشتاق وشوقي وأشواق واشتياق وشوق) وما زالوا يعيشون في اليمن بينما زوجته تقيم في محافظة جدة مع أقارب لها وتحتاج للمساعدة وحالتها الصحية متردية جداً و(ثقافة اليوم) تحتفظ بأرقام هواتفها لمن أراد مساعدتها. |
||
![]() |
![]() |
drawFrame()
![]() |
![]() |
|
| الشاعر والفنان الغنائي القدير محمد سعد عبدالله
محمد سعد عبدالله: من مواليد محافظة لحج - مدينة الحوطة عام 1934م كان والده الشيخ/ سعد عبدالله مطرباً ذائع الصيت ومن الأخبار المؤكدة ما رواها لي والدي المولود في مدينة الحوطة حيث يقول: «شهدت الفترة التي اشتهر فيها الشيخ/ سعد عبدالله الذي حل مع أسرته في مدينة الحوطة وتزوج فيها، وكان يسكن في الحي الذي نسكن فيه، أنجبت له زوجته ولداً أسماه محمداً ثم ما لبث أن طلقها ومن بعده تزوجت وعاشت مع زوجها في مدينة الشيخ عثمان، أما محمد فقد عاش مع أبيه في منزل جده زوج جدته أم أبيه وبين عماته في لحج».
وجاء عنه في كتاب الفنان/ محمد مرشد ناجي (الغناء الصنعاني القديم ومشاهيره) مايلي: «يقول الأديب عبدالله البردوني أن الشيخ سعد عبدالله أصلاً من مدينة كوكبان، ويقول الحاج/ عوني حسن العجمي أن الشيخ سعد برأي والده ورأي الكثيرين ممن عاصروه يعد شيخ مشائخ زمانه في الغناء لحافظته لألحان الموشح اليمني وألوان أخرى من الغناء، الى جانب أنه يحفظ ثلاثة آلاف مقطوعة شعرية وأنه كان أديباً وشاعراً ويتمتع بصوت جميل أخاذ». انتقل محمد سعد عبدالله ليعيش مع أمه وزوجها في المنزل الكائن في مدينة الشيخ عثمان خلف حارة الصباغين، وكان يلتقي بأصدقاء له من محبي الغناء والطرب ويقضي معظم أوقاته معهم ثم يعود بين الحين والآخر الى حوطة لحج التي قضى فيها سنوات طفولته الأولى وحفظ الكثير من أنغامها وألحانها وايقاعاتها فكان له الزاد والمعين الذي لا ينضب الى جانب ما ورثه عن أبيه من حب كبير للغناء والطرب دفعه في حياته الفنية الى البدء في تعلم العزف على الآلات الايقاعية، وعلى الرغم من سنه المبكر فقد كان حريصاً أشد الحرص على مصاحبة بعض مشائخ الغناء والطرب في ذلك الحين أمثال المطرب/ عوض عبدالله المسلمي والمطرب/ اسماعيل سعيد هادي والمطرب/ أحمد عوض الجراش الذي تأثر به كثيراً، والعمل معهم في المخادر والأعراس ضارباً بالايقاع أو الدف وأحياناً يقوم بدور مردد (كورس) مما ساعده على اجادة أصول الموشح الغنائي اليمني القديم (الصنعاني) فقد كان يشترط في ضارب الايقاع أن يكون موهوباً ويتمتع بصوت جميل حتى يستطيع القيام بدور الكورس في الأغاني التي تتطلب منه ذلك، وربما يستطيع أن يقوم بالغناء اذا طلب منه ذلك مطرب السهرة الأساسي، واذا كان هذا العازف حافظاً للموشحة اليمنية (الأغنية الصنعانية) وأتيحت له الفرصة ليغني في أكثر من مناسبة فلابد له من تعلم العزف على العود، واذا ما تمكن من ذلك فإنه يستطيع أن يكون تخته الخاص به وينافس المطربين في احياء حفلات الزواج ومجالس القات، ومن خلال هذا التقليد التدريجي تخرّج كثير من المطربين في عدن ومنهم بن سعد. شخصية مستقلة |
الفنّان الأستاذ عثمان علي عثمان، رحمه الله
الفنّان المرحوم الأستاذ عثمان علي عثمان هو أحد أمناء الغناء اليمني الخالد ويعود أصله إلى تهامة اليمن ومن منطقة المخاء الشهيرة في الأطلس العالمي والتي لم يزل اسمها ماركة مسجلة وعلامة تجارية بارزة ومميّزة لكلّ أنواع البن الفاخر في العالم (بن المخا)، من هذه المنطقة الساحلية الساحرة وبالتحديد من إحدى قرى توابعها وتسمّى يختل يرجع فناننا عثمان علي عثمان الذي ولد في العام 1933م من القرن الماضي، وقد سكن وعاش ومات في جمهورية جيبوتي على البحر الأحمر.
الأستاذ عثمان علي عثمان، هو أحد كبار المطربين اليمنيين في جيبوتي التي نقل إليها الفنّ اليمني الشيخ الأستاذ الفقيه صالح عبد الله العنتري قادما من عدن وهو الرجل الذي دائما ما أطلق عليه وصف: رجل في تراث وتراث في رجل.. هذا الشيخ الذي نقل شجون وفنون اليمن من بومباي إلى جزر المارتينيك.. الشيخ الذي غنّا السواحلي باليمني كما غنّا اليمني بالمصري والهندي..
وكما فعل الشيخ العنتري، فعل شيخ البار في جزر اندونيسيا حتى آسيا الوسطى وكذلك فعل باعيسى في الصومال وكينيا وعموم القرن الإفريقي وأيضا فعل آخرون فعلهم في أرجاء شبه الجزيرة والخليج.. كلّهم حملوا هموم وشجون اليمن وترجموها إلى فنون ما تزال آثارها باقية حتى اليوم.. وانه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يفعل غيرهم مثلهم.
الفنّان عثمان علي عثمان، رحمه الله، كما زميله السيّد عبد القادر عبد الرحيم بامخرمة، قد سار على خطى ملهمه الشيخ العنتري والذي سبق إليه الشيخ أحمد عبيد قعطبي أحد أقطاب الغناء اليمني ومشايخه في اليمن قاطبة والذي كانت تسافر اسطواناته مع بساط الريح من الحبشة حتّى كلكتا.. كذلك الحال مع بقية مشايخ الغناء اليمني من أمثال المسلمي والجرّاش وسواهما من أعلام الفنّ في اليمن.
ظلّ الفنّان عثمان علي عثمان وفيّا للتراث اليمني وحبيسا راضيا بحبسه في داخل خزينة ذلك التراث الموروث، كذلك فعل الفنّان البامخرمة.. (سوف نأتي قريبا على نشر سيرة المرحوم الفنان القدير عبد القادر عبد الرحيم بامخرمة ورفع أغانيه)،
هل كانا عثمان وصديقه البامخرمة هما السبب في ذلك وبمحض اختيارهما؟
أم أنّها كانت أراء وأهواء وأذواق المجتمع الذي لم يكن يفضّل عن التراث بديلا في تلك الحقبة من الزمن ولا يرضى بأن تختلط الحداثة بتاريخه ويبقى عليه محفوظا مصونا فيسمع في عدن كما يسمع في صنعاء وحضرموت وجيبوتي وآسيا وإفريقيا؟
هل الخوف من الفشل وأن لا ترضى عنهم الناس وتقاطعهم من أجل خروجهم عن تراث الأجداد؟
أظنّ بأن الفنان عثمان علي عثمان كما صديقه البامخرمة قد قلّب الأمر من كافة جوانبه وحسبه جيدا والدليل على ذلك بأن ألحان عثمان أو البامخرمة الخاصة والتي تكاد أن لا تتجاوز عدد الأصابع لم تحظى بالشهرة والقبول والرضا عند الجماهير التي نسيتها تماما وما عادت تتذكرها كما كان متوقعا ومحسوبا.. لكن هذا لم يمنعنا من وصف فناننا القدير الأستاذ عثمان علي عثمان بأمين التراث، وأنّه واحدا من الأمناء القلائل على هذا المكنون الهائل من التراث الذين حافظوا عليه وخلدوه من بعدهم بريشتهم الرقيقة وصبابتهم العذبة.. يمتاز فناننا بصوت جميل وواضح عكس بعض المطربين الأوائل من الذين يصعب فهم كلماتهم عند بعض الناس .
نشأ فناننا وترعرع في كنف أسرة اشتهرت با

ربّما جاء هذا الموضوع متأخرا بعض الشيء على ميعاد حلول الذكرى الثامنة الخالدة لرحيل الشاعر القطب السيّد حسين أبو بكر المحضار، لكنّ ما يشفع لي هو أن المحضار حاضر معي في روحي وعقلي ووجداني في حياته وبعد مماته، ففي كلّ يوم يطلع شمسه فانّ للمحضار ذكرى في قلوب محبيه والناس أجمعين. حتى من قبل طلب الاخوان الأحباء فقد كنت أعدّ العدّة وأستعدّ للكتابة عن السيّد المحضار ورفيقه محمد جمعه خان وصديقه أبو بكر سالم بالفقيه فالمحضار وسيرته من مشاريعي التي تشمل أيضا شيخ الشعراء يحي عمر وأمير الشعراء القمندان وشاعر الشعراء الفضول وثائر الشعراء سبيت ومجموعة من أفذاذ الشعر الحميني التليد. وعندما بدأت بشيخ الشعراء يحي عمر لم أكمل العمل وتوقفت في نصف الطريق بعد أن رأيت أنه بالامكان تقديمه بصورة أفضل ممّا قدمته عليها، لكنّ الوقت كان أكبر عدو لي فلم أنجز وأتمّ ما بدأته وعرجت على سبيت بذكرى وفاته مستعجلا فلم أوفي الرجل حقّه كما ينبغي وبالرغم من تجهيزي بعض المعلومات عن أمير الشعراء القمندان والفضول وبقية فحول الشعر الحميني الاّ أنّي فضّلت التأني بالأمر .. وعندما جاء ذكر سيّد الشعراء حسين أبو بكر المحضار لم أتمالك نفسي وقلمي وأوراقي من الوقوف على قطرة من قطرات علم ومعرفة هذا الرجل العظيم. مهما قلت عنه أو فعلت أو كتبت فقد سبقني إلى ذلك من قال وفعل وكتب بأحسن منّي وسوف يلحق من بعدي من يقول ويفعل ويكتب عن سيّد الشعر واللحن والكلمة ويأتي بما لم تأتي به الأوائل. ليس في عملي هذا عمل مؤرخ لرجل تأريخي لكنه عمل يتحدّث للأجيال عن تأريخ رجل صنعه بنفسه من علو شأن ورفعة مقام.
عرف الجميع وتعرّف على شاعرنا الكبير الراحل السيّد حسين أبو بكر المحضار من أبيات شعره لكنّ عدد قليل منهم سمعوا او استمعوا إلى صبابته في الغناء وهذه واحدة من نادرات التسجيلات الصوتية للشاعر المحضار في جلسة خاصة ضمّت معه أيضا رفيقه وصديقه أبو أصيل، أغنية يا مسافر على لبلاد يؤديها المحضار مع شلّة أنسه.. وأشكر بهذه المناسبة من رفع هذه الأغنية في موقع أبو أصيل ويعود رفعها إلى الأخ ابن الغنّاء مشكورا.
الأغنية في المرفقات
نسبه:
يرجع المرحوم السيّد المحضار بنسبه الى السادة الأشراف من بني هاشم فهو السيّد حسين بن أبوبكر بن حسين بن حامد بن أحمد بن محمد بن علوي بن محمد بن طالب بن علي بن جعفر بن أبوبكر بن عمر المحضار بن الشيخ أبوبكر بن سالم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد مولى الدويله بن علي بن علوي بن محمد الفقيه بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر بن عيسى النقيب بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق (رضي الله عنه) بن محمد الباقر (رضي الله عنه) بن علي زين العابدين (رضي الله عنه) بن الحسين (رضي الله عنه) بن علي (رضي الله عنه) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
مولده ونشأته:
ولد شاعرنا الراحل السيّد حسين أبوبكر المحضار في مدينة الشحر عام 1350هـ الموافق 1930م. وقد نشأ في أسرة متصوفة ذات مكانة معروفة في حضرموت فهو حفيد الشاعر الشعبي المعروف حسين بن حامد المحضار وجده لأمه الشاعر الشعبي المعروف أيضا صالح بن أحمد خمور كما أن من جدّه لأبيه الشيخ أبو بكر بن سالم الذي اشتهر بورعه وتقواه وكان يعدّ من عباد الله الصالحين وأولياءه، نحسبه عند الله من الأولياء ولا نزكي على ربنا سبحانه وتعالى أحدا من عباده.
درس شاعرنا في مدرسة مكارم الأخلاق في الشحر، ثم في رباط الشحر حيث أتم دراسة القرآن الكريم وتفسيره والفقه والتوحيد واللغة العربية والأدب.
شعره:
هو واحد من أبرز شعراء الحمينيات المتأخرين وربما يذهب بنا القول إلى وصفه بالفارس الأخير وليس بآخر الفرسان في هذا المضمار الذي استمر السباق فيه والتسابق عليه مدة تزيد عن الثمانمائة سنة حيث اعتمد المؤرخون بداية ظهور الشعر الحميني في القرن السادس الهجري مع بروز كبار شعراء التصوّف الذين أثروا هذا المقام بفيض من أشعارهم التّي حلقت في فضاء رحب يمتدّ من الأندلس غربا حتى السند شرقا، ويسجّل بعض من المؤرخين أن بداياته ترجع إلى القرن الثاني للهجرة النبوية الشريفة على صاحبها سيّدنا محمد صلّ الله عليه وسلّم أفضل الصلاة وأزكى التسليم. شهدت بلاد اليمن ميلاد هذا الشعر حيث شكلت ساحة فسيحة له ولفرسانه الأشاوس الذين صالوا وجالوا في ميادينه وما يزالوا ولو أنّ بريقه خفّ بعض الشيء ببروز النثر المرتجل لكنه يظلّ عند الشعراء اليمنيين على وجه الخصوص ورقتهم الذكيّة وحصانهم الرابح الذي يراهنون عليه حتى اليوم. العجيب في الأمر أن أسماء الفرسان لا تقتصر فقط على العرب بل نشاهد كيف زاحم في الحلبة فرسان معدودين من غير العرب وبالأخص الترك من أمثال: سليم شعبان وابن سناء الملك وحيدر آغا وغيرهم. ومع بداية النهضة الأوروبية في الغرب لاحظت جليّا ودرست كيف أن كبار الشعراء في الأدب الفرنسي والانجليزي والألماني وحتى الروسي من أمثال هوجو ولافونتين وشكسبير وغوته ودوستويفسكي وفي ايطاليا واسبانيا أيضا قد فضلوا سلاسة وتحرّر الشعر الحميني على بلاغة وقيود الشعر الحكمي (العربي الفصيح). الشاعر الراحل المحضار في تراثه الحميني كان أقرب إلى فهم عموم الناس لكلماته وتعبيراته مهما اختلفت مشاربهم عكس بعض فحول هذا الشعر وسدنته وأساتذته الكبار أمثال بن شرف الدين ويحي عمر والقمندان الذي يصعب فهم معاني بعض الكلمات في معجم أشعارهم من عامة الجمهور.
ألحانه:
ما يزال هناك أناس في حضرموت يطلقون على الغناء الحضرمي (الدان)، ربّما كانوا على حقّ في القديم، على الأقل حتى مجيء المحضار ومع مجيئه بطل ذلك القول لأنّ المحضار بألحانه أخرج الفنّ الحضرمي من بوثقة الدان الضيقة إلى فسحة واسعة من الغناء الحقيقي. إذ أن الدان يقتصر على الأهازيج الشعبية والمواويل البدوية من داخل حضرموت مع بعض التطوير من الشرح الحضرمي في الساحل. كما أنه بالإمكان أداء الدان دون أية مؤثرات موسيقية وأحيانا يكتفى بنقر الطار أو الطبلة بصحبة الدان. وعندما ظهر المحضار تغيّر شكل الدان وتحوّل إلى أغنية عصرية حقيقية عرفت واشتهرت بالأغنية الحضرمية، انّ عبقرية المحضار وعلومه ومعرفته بالشعر والغناء اليمني خاصة والعربي عامة جعلته يركب ويتنقل ببساط الطيف القزحي من الألحان اليمانية من حضرمية ويافعية وصنعانية ولحجية وموالد وشلاّت صوفية وترنيمات دينية وأهازيج بدوية وغيرها ممّا ترددت كثيرا على مسامعه سواء في الحفلات الشعبية أو في الأعراس وفي كلّ المناسبات الشعرية والغنائية ليفصّل منها، ويخترع من قريحته فيضيفه إليها، فيسبل على النغم الحضرمي حلّة مطرزة زاهية ومرصعة بأشجى وأعذب الألحان لتعلن ميلادا متجددا وجديدا للغناء الحضرمي المعروف والمشهور.
للفنّان بالفقيه ألحانه وأيضا للفنان عبد الرب ادريس ولغيرهما أيضا ألحانهم الخاصة بهم، الاّ أنّه كما يقال فانّ ألحان المحضار غير كلّ الألحان.. ألحان نشأت من خلاصة البيئة اليمانية لترسم الأصالة العريقة وتحفظ التراث العتيق وتبقي حضارات تترى على أمّة الغناء اليمني الخالد بينما نلاحظ عند غيره من الملحنين التداخل والتقليد للأغنية المصرية المعاصرة وكذلك للأغنية الخليجية المحدثة…
ومن أعجب ما يميّز المحضار في ألحانه عدم عزفه على أية آلة موسيقية وخاصة العود، وهذا ما يدهش له، إذ أننا سمعنا ورأينا كيف كان دور العود مع الملحنين الكبار وأهميته عندهم.. هناك السنباطي والقصبجي وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من الأفذاذ. وقد علمنا أهميّة العود في حياتهم من أجل استنباط واستخراج أعذب النغمات وأرفع المقامات.. لكنّ حال المحضار مختلف عن كلّ الحالات، فهو نسيج وحده. فقد أغناه إلهام فكره البديع عن هذه الآلة المساعدة. وكمّا تميّز المحضار في شعره كذلك كان مميّزا في ألحانه. وقلّما يجاريه أحد من أقرانه في عبقريته وموهبته إلاّ النذر اليسير جدا من الأسماء.
محمد جمعه خان:

ليس بالقول الصائب كلّ من يدّعي بأن للفنان القدير السيّد أبو بكر سالم بالفقيه الفضل الأكبر في بروز كلمات وألحان وأغاني السيّد المحضار وأن لأبو أصيل الدور الأكبر في شهرة المحضار، ففي هذا كلّ المغالاة وما هذه الاّ ادعاءات مبالغ بها جدا بل أنّها غير صحيحة.. جميعنا يعرف بأن الثنائي الخطير المحضار/بالفقيه برز جليّا في العام 1965 وهو العام الذي توفي فيه المرحوم محمد جمعه خان بعد أن حلّق بأغاني المحضار من درر كلمات وشدو ألحان فاح عبيرها لتعطّر أجواء اليمن والجزيرة والخليج ولم أفاجأ عندما اقتنيت في سبعينيات القرن الماضي أكثر من 20 ألبوما غنائيا (كاسيت) مناولة من شركة استديو رومكو للتسجيلات تضمّ قرابة مائة أغنية للمرحوم محمد جمعه خان بما فيها القصائد الغنائية للسيّد المحضار مثالا على ذلك وليس حصرا أغاني: يا رسولي توجه بالسلامة.. على ضوء ذا الكوكب الساري.. قال بو محضار.. ليلة في الطويلة.. تمنيت والحقت تمناة قلبي.. بالغواني قلبي مولع.. ولا ذي الأوله منك.. وترى ما كان بيني وبينك.. عاد قلبي معك.. الخ… مثل تلك الأغاني التي نالت شهرة واسعة في اليمن والجزيرة والخليج من قبل أن يعرف النّاس فنّانهم المحبوب بالفقيه حيث أنها سبقت ظهور الفنّان أبو أصيل الذي كان يخطو أولى خطوات بداية مشواره الفنّي الجميل. كان السيّد المحضار فرح ومسرور جدا وسعيد غاية السعد وكانت سعادته لا توصف بوجود فنّان كبير وقدير من طراز المرحوم محمد جمعه خان على الساحة الفنيّة بتأريخه الفنّي الطويل ووريث ملوك الطرب والغناء اليمني وعلى رأسهم بن هرهرة وفيما بعد باعشن وصاحب أغنيات عظيمة في كلماتها من عنترة ويزيد الى شوقي والأخطل الصغير وألحان ذات صدى واسع من مختلف الطيف القزحي اليماني من حضرمي ويافعي وشرح وهندو-يماني و… وقد رأى السيّد المحضار في فنّان من هذا الطراز تحقيق أحلامه وأنّ ما صنعه القمندان من فنانه فضل اللحجي سوف يكرره محمد جمعه خان معه.. لكنّ الأقدار عاجلته وتوفي محمد جمعه خان كما أسلفنا في أواخر العام 1965 رحمه الله تعالى وغفر له، وحزن المحضار حزنا شديدا عليه وبكاه وندبه ورثاه برائعة من روائع الرثاء الغنائي في قصيدته يوم الخميس الصبح الذي غنّاها المرحوم الفنان محمد سالم بن شامخ.. وظلّت ذكرى الفنّان الراحل محمد جمعه خان في فكر ووجدان الشاعر الراحل المحضار باقية وحاضرة معه في كلّ زمان ومكان، ومن شدّة شوقه إلى حبيبه لم ينساه وناداه وناجاه في ذكرى يوم الوحدة العظيم في رائعته الوحدوية العصماء اليوم أنا في حاجة لأمثالك وكان المقصود به محمد جمعه خان، يصيبنا الحزن لحزن المحضار على فقيد الفنّ محمد جمعه خان عندما يعبّر عن حاجته لصاحبه فلا يجده ويذهب بالتصريح لحبيبه الذي لم ينساه أبدا ويطلب منه أن يشاركه شدوه بالوحدة من تحت ارماس قبره -طيب الله ثراهم جميعا- بقوله:
يا بوعلي هات غنّ للوحدة ففيها كلّ خير ** واهتف لها وأشدو ولو من تحت طيّات الكفن.
هذه وقفة من أروع وقفات الأصدقاء عندما تفرق بينهم الأقدار.
يرحمهم الله تعالى جميعا ويغفر لهم ويعفو عنهم ويتوب عليهم . آمين
أبو بكر سالم بالفقيه:
من سماعي وقرءآتي للبعض، خرجت وكأنّي بحضور فريقين يمارسان شدّ لعبة الحبل.. طرف يبالغ بإعجابه بالفنّان المحبوب بالفقيه على حساب الشاعر القدير المحضار وطرف آخر بالعكس من ذلك تماما. نسي الطرفان بأن لو هناك ثنائيا ناجحا وموفقا يسجّل للأغنية الحضرمية لكان وما يزال الثنائي (المحضار/بالفقيه).. وانّ ثنائية المحضار/بالفقيه أكبر وأعمق من ثنائية المحضار/محمد جمعه خان حيث أن الأخير قد سبقت شهرته وتقدّم حضوره شاعرنا الكبير المحضار وقد جاءت أغانيه المحضارية متأخرة رغم سبقه بالفقيه باداءها، بذلك يحقّ لنا اعتبار الفنان أبو بكر سالم بالفقيه سفيرا فوق العادة دون منازع للأغنية الحضرمية المحضارية.. أمّا من ذهب به القول الى مقارنة بالفقيه والمحضار شعرا يكون قد ظلم أولا وأخيرا الفنان بالفقيه كثيرا لأنّ الفنّان نفسه لم يسجّل عليه قول كهذا والمحضار في أشعاره أبلغ وأغزر وأعمق انتاجا وكلمة ونظما ولحنا.. آخرون ذهبوا الى حدّ اعتبار الفنّان بالفقيه، ظنّا منهم بأن في قولهم هذا ما يرفع من شأن بالفقيه وقدره وهو ليس بحاجة الى مثله، وقد زعموا أنّ الفنّان بالفقيه لم يبدأ مشوار حياته الفنية من المخادر والأعراس وانمّا كانت من على خشبات قاعات المسارح، وكأنهم يرون بالمخادر والاعراس نقصا بحقّ الفنّان.. وهذا قول مجافي للحقيقة تماما.. أولا، أن هذه المخادر والأفراح أخرجت للناس أساتذة الفن والطرب في عموم محافظات اليمن والجزيرو والخليج.. منها خرج علينا الشيخ علي ابو بكر باشراحيل ومحمد جمعه خان وعوض عبد الله بو مهدي المسلمي وعبد القادر بامخرمة والعنتري والماس والقعطبي وعمر محفوظ غابة ومحمد سعد عبد الله الخ… وعندما نزل الفنان بالفقيه عدن في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بعد أن كانت بداياته في حضرموت مصاحبا لفرق الانشاد الصوفية شارك في هذه المخادر مع جملة من أساتذة الغناء أمثال المرشدي ومحمد سعد عبد الله وغيرهم… لا شيء في المخادر يعيب الفنان بالفقيه أو ينقص من قدره كما يحاول البعض تصويره لنا عن غير علم ومعرفة. أمّا الطرف الثاني ذهب بعيدا بوصفه فناننا الكبير بالفقيه بالغرور والصلف ونسيان رفيق عمره المحضار و… و… وهي صفات ليست من خلق الفنان بالفقيه ولا من طباعه.. وخير من يعبّر عن نفسه بالردّ على الطرفين هو الفنّان نفسه عندما قال:
ـ مشواري الفني مع صديقي الراحل حسين المحضار يمثل عمري الفني الحقيقي.. فهذا الانسان رحمه الله كان بمثابة الاخ الكبير المحب وبالنسبة لي المحضار لم يمت ولازال تأثيره علي كفنان باقٍ حتي النهاية.. ومهما قلت ومهما وصفت فلن اعطي المحضارالانسان العظيم والمتميز حقه.
- في القصيدة واللحن يمثل الشاعر المحضار الابداع ذاته.. واعتبره فلتة هذا الزمن ومدرسة عظيمة سينهل منها الجميع دون انقطاع، فالشاعرالكبير والفنان الحساس حسين المحضار حالة استثنائية تماماً لن تتكرر ويشكل وحده مجموعة فنون محضارية مميزة بالفكرة الشعرية التي يطرحها وكذا عذوبة وجمال اللحن.
بهذه الشهادة العظيمة من الفنان القدير أبو بكر سالم بالفقيه أوفى وأبلغ ردّ على مؤيديه ومخالفيه على حدّ سواء. ولا أبالغ بالقول أنّ الفنان بالفقيه يعتبر التؤام الروحي للشاعر المحضار. وكما أنّ الفنّان لسان الشاعر مثل الثنائي أحمد شوقي بك/محمد عبد الوهاب، القمندان/فضل اللحجي ومن بعد فيصل علوي، عبد الله الفضول/أيوب طارش، امّا يحي عمر فان قدم عصره لم يسجّل له فنانا بعينه لكن توزعت الأدوار لاحقا على عدد كبير من الفنانين. وهكذا وبذات الأنماط برز وظهر الثنائي الشهير المحضار/بالفقيه ومن قبل محمد جمعه خان
التصوّف في حياته وشعره:
هو السيّد من نسل السادة الأفاضل الكرام ومن أشهر أجداده لأبيه السيّد القطب الصوفي الشيخ أبو بكر بن سالم، وقد ورث المحضار عن أبائه وأجداده المكارم الحميدة والإحسان، فهو الصوفي المتصوّف من أهل الصوفية المشهورين وليس من المبتدعين.. ولم يغفل في قصائده عن البوح ببعض أبياته الصوفية الشهيرة كما جاء عنه في نشيد الحج إلى مكة المكرمة في رائعته لبيك اللهم لبيك:
وفي قصيدة عصماء إلى طيبة الطيبة ومدينة رسول الله صلّ الله عليه وآله وصحبه وسلّم المنورة:
و وقـفـه يـالـهـا والله مـن وقـفه مهيبه ** لدى طه المهيب
قـلـوب الـنـاس مـن خـلاّقها فيها قريبه ** وهو منها قريب
عـلـيـهـا تـاج مـن آثـار عـفـوه ومـن رحمته اكليل
يـعـود الـحـي لـي كـتـبـت لـه العوده وتيسير السبيل
هـنـا تـتـنزل الرحمات كلٍ له نصيبه ** عسى حسن النصيب
هـنـا يـرتاح عَرف المصطفى ونشم طيبه ** ويا مااحسنه طيب
هـنـا نـور الـسـمـا لـي تـنـطـفي فيه أنوار القناديل
يـعـود الـحـي لـي كـتـبـت لـه العوده وتيسير السبيل
ومـن فـي الـكـون عند الله افضل من حبيبه ** ويا نِعم الحبيب
ومن غيره يجلي الكرب في الساعه

***
الشاعر الثائر عبد الله هادي سبيت
***
انّ حياة الشاعر عبد الله هادي سبيت زاخرة بالعطاء بالكلمة والنغم والسلاح…
وحيث أنّي شارفت على الانتهاء من تجميع كلّ ما لديّ عن شعراء اليمن الكبار الذين اخترت منهم خمسة لكثرة ما غنّوا وأنشدوا بكلماتهم وألحانهم كبار فناني اليمن والجزيرة والخليج وهم: يحي عمر والقمندان والمحضار وهادي سبيت والفضول ومجموعة من كبار شعراء القصائد الحكمية والحمينية..
وبالفعل كنت بدأت مع يحي عمر إلاّ أنّي توقفت في منتصف الطريق لكي أعيد صياغة المواضيع وإبراز من غنّوا لهم وإسماع أغانيهم حيث ستكون المواضيع الجديدة على شكل آخر غير الذي عهدوه من قبل لتأخذ رونقا خلابا في ذكراهم.
أمّا الشاعر المرحوم عبد الله هادي سبيت فهو الشاعر الوحيد من الأربعة الذي كان لي شرف الالتقاء والاجتماع به والتعرّف عليه عن قرب، هذا لحسن حظّي.!
هذه نبذة جدّ مختصرة عن هذا العملاق، إذ أنّ مجلدات لا تكفي لاحتواء كلّ مواقف هذا الرجل المثقف الشهم المناضل.. وإنّى الآن بما لديّ من معلومات ما زلت أظنّ بأنها لا تكفي ولا تشبع نهمي ولا تطفيء ظمأى حيث لم أزل مستمرا في بحثي وتجميعي لكلّ ما دونه الشاعر وكلّ ما قيل عنه وفي حقّه من الأدباء والمثقفين ورؤساء الدول.
فصبرا عليّ إخواني الكرام لأنّي صرت أتعب جدا من كثرة الكتابة وطول الجلوس بين الورق وأمام الجهاز، حتى صرت أشكو تارة من الام الظهر وتارة من تنمل الأطراف وأخرى من ضعف النظر حتّى أتعبت معي أمهات العيال من طول السهر وكثرة التدليك، فأخوكم ـ أجاركم الله تعالى ـ يعاني من السكّر وارتفاع الكولسترول وانزيمات الكبد.. فدعواتكم لي خير معين ولله الحمد والشكر، سبحانه وتعالى.
إليكم نبذة مختصرة جدا جدا عن الشاعر الكبير عبد الله هادي سبيت
سواء ما أتذكّره عنه، رحمه الله تعالى، أو ما تمّ جمعه من أقلام رائدة لكتّاب مشاهير في اليمن.
بالرغم من شهرة أحمد فضل العبدلي (القمندان) الواسعة إلاّ أنها لم تستطع إخفاء وتغييب شاعرا متميزا كالشاعر الثائر عبد الله هادي سبيت.
تفرّد بن هادي سبيت في كلماته ولحنه وثورته على الظلم وضد الاستعمار.
عبد الله هادي سبيت ثقّف نفسه ذاتيا حتى أضحى من فحاحيل الشعراء الحمينيين..
من مؤلفاته: الظامئون إلى الحياة - قصة الفلاح والأرض …
ومن دواوينه الشعرية: الدموع الضاحكة - مع الفجر - أناشيد الحياة - رجوع إلى الله
ومن أعماله الإبداعية الأخرى: مسرحية الضوء
ساهم إسهاما كبيرا بالمئات من المسلسلات الاذاعية حيث سجّل في حياته المئات منها بثت منذ افتتاح محطة إذاعة عدن .
له 100 أغنية وطنية وعاطفية تقريبا
عمل في حقل التدريسً، ووكيلاً لادارة المعارف في سلطنة لحج ووكيلاً لادارة الزراعة وسكرتيراً للجنة التنمية الزراعية قبل أن يصبح سكرتيراً خاصا للسلطان علي عبد الكريم وأخيرا مستشاراً بوزارة الثقافة والسياحة، فرع تعز.
والده هو الأديب والشاعر ومطرب اليمن الكبير المشهور هادي سبيت.
ثار على الظلم والاستبداد في حكم السلطنة حتى نشأت بوادر اغتياله للتخلص منه..
فقد سجن المرحوم والده هادي سبيت بسبب قصائد إبنه عدّة مرّات حيث كان السلطان عبد الكريم يغتاظ من قصائده لكنه يحسبها لأبيه فيودعه السجن.
وقد تعرّض لمحاولة اغتيال بسبب قصيدته يا الله اللطف بالناس، فرّ بعدها إلى عدن.
تأثّر كثيرا بثورة الجزائر وثورة مصر عبد الناصر وكانت لحماسته دورا بارزا في ثورة الجنوب حتى حاول الاستعمار وأذنابه تصفيته جسديا بعد أن قام في العام 1957 م بتأسيس وتدشين ندوة الجنوب الموسيقية لدعم ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي ونظمت حملة تبرعات بقيادة خيرة رجال لحج وعدن، حيث تعرّض في أواخر 1957م لمحاولة إغتيال وبرفقته الفنان محمد صالح حمدون بواسطة قنبلة مؤقتة وضعت داخل السيارة وذهب ضحيتها مساعد السائق .. حينما كان بن حمدون يحيي حفلة فنية سألت العين حبيبي فين وهي من كلمات شاعرنا عبد الله سبيت بمدينة دار سعد تضامناً لدعم ثورة الجزائر.
تم نفيه ومغادرته أرض الوطن في الفترة من 1957 حتى 1959م إلى مصر نتيجة لمواقفه الوطنية الرائدة ضد الأوضاع القائمة وعلى وجه الخصوص مناصرته للثورة العربية في الجزائر.
قد كانت لثورة الجزائر بالغ الأثر على عبد الله هادي سبيت كما تأثّر كثيرا بثورة الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر.. فهو من أنشد له المسلّمي:
كلّ العرب لليافعي يوم القتال .. كلّ العرب صاحت يحيا جمال…
جملة من أدباء اليمن وفنانين وصحفيين يتذكروا مآثره الخالدة ويذكروها وينسبوها إليه بصدق ووفاء وإخلاص، وكلّ أديب وصحفي وفنان حدّث وتحدّث عنه في عزاءه وتكريمه بعد وفاته بما يليق بمكانته ويستحقة من المديح والثناء.
من أشهر أقواله، رحمه الله تعالى، في ثورة الجزائر ما تأثر بها الرئيس الحالي عبد العزيز بو تفليقة ـ حسب قوله ـ وبقية المجاهدين.:
ياشاكي السلاح شوف الفجر لاح * حط يدك على المدفع زمان الذل راح
هذا الغير سيد وحنا له عبيد * يامن مات والله انه من القهر استراح
هذا الماء سال هذا الغصن مال * هذا الزهر يتنسم على ضوء الصباح
ارضي والنبي ويل الاجنبي * ديني او مذهبي يامرني ان احمل السلاح
يدك يا اخي يدك يا أخي * كم لك على جسمي وجسمك من جراح
ايمانك سلاح ضامن بالنجاح * لاتحيا على الايام مقصوص الجناح
ان صاح النفير كم حر الضمير* بايمشي مع الموكب على اذلاق الرماح
بـاتلقى السماء في لون الدماء * يوم الدم يطير ملأ هذه البطاح
يالله ياشباب آن الاكتتاب * ارضك ملك لك والمغتصب لازم يزاح
يالله الى الامام بانحمي السلام * يالله نشعل الثوره كفى من قول اح
في هذه القصيدة كان يبايع عبد الله سبيت الرجال بالأنفس والمال ويدعوهم إلى الاكتتاب ليس بأسهم أو بورصة وانما بالروح والدم والأرض.
وقد عكست قصائده مواقفه القومية مع ثورة الجزائر والثورة الناصرية في مصر وثورة الجنوب حيث ألهبت حماس الثوّار الأحرار…
أيها القانع بالعيش القليل
آه لو تعلم ماقصد الدخيل
لتحصنت بماضيك الجليل
وتخطيت حدود المستحيل
ولد الفنّان عبد القادر عبد الرحيم بامخرمة في العام 1926م وتوفي في العام 2007م في مدينة جيبوتي ..
قضى أكثر من نصف قرن من عمره ناقلا أمينا للأغنية اليمنية وخاصة منها الصنعانية واليافعية وقليلا من اللحجية قبل أن يشرع في خوض غمار الأغنية الهندية التّي حقّق من خلالها نجاحا كبيرا واكتسب قاعدة شعبية عريضة في المنطقة.
عرفته جيبوتي وعدن والقرن الإفريقي وسواحله جيدا حيث حاز شهرة واسعة وحظي بشعبية جارفة اكتسحت وغطّت على كثير من مشاهير الفنانين.
لم يكن الفنّان عبد القادر بامخرمة من أوائل فناني جيبوتي والقرن الإفريقي، لكنّه أصبح بعد ذلك الفنّان الأوّل، قد سبقه من الفنانين في مدينة جيبوتي الفنّان الشيخ إبراهيم سعيد سالم والشيخ علي سعيد الأعمى ..
معظم مطربو جيبوتي والقرن الإفريقي قد تلقوا أصول الغناء وطرائق العزف عن شيخ مشايخ طريقة الغناء اليمني الفنّان المرحوم الشيخ صالح عبد الله العنتري الذي كان أستاذا ومعلما لجميع فناني جيبوتي وشرق وغرب إفريقيا بدءا من صهره الشيخ إبراهيم سعيد سالم ومرورا بالشيخ علي سعيد الأعمى وانتهاء بالفنّان عبد القادر بامخرمة…
وعندما غنّى الفنّان بامخرمة الأغنية الهندية التّي أبدع في أداءها وحقّق منها شهرة واسعة وشعبية كبيرة في وسط الجمهور الفنّي لم يكن أوّل من ابتكرها حيث قد سبقه في هذا المضمار من الألحان (الهندو-يمانية) الفنّان القدير الأستاذ محمد جمعه خان الذي أبدع بعشرات العشرات من الروائع الهندية وكذلك الشيخ أحمد عبيد قعطبي الذي حفظت له الكلاسيكيات الهندو-يمانية الكثير من الروائع الخالدة ليس أقلّها: حيّر الأفكار بدري و محبّ وفاء وحبيب غدر ودهر تعدّى وحرّ صبر و يا أعزّ النّاس عندي كيف خنت اليوم عهدي وغيرها… وعندما وصل الشيخ صالح العنتري إلى جيبوتي قادما من عدن أرسل نسائم بدائعه وروائعه من الغناء الصنعاني والغناء اليافعي واللحجي وكذلك الهندي.. ومن روائعه، رحمه الله تعالى، في الهنديّات أغنية منك يا هاجر دائي وبكفيك دوائي وأغنية علموه كيف يجفو فجفى ظالم لقيت منه ما كفى وأيضا تعيش أنت وتبقى و خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهنّ الثناء و تعالوا بنا نطوي الحديث وكم كم في كم للمرحوم العنتري من رائعة في النغم الهندي، وكما نلاحظ بأن الفنّان بامخرمة قد غنّا معظم أغاني أستاذه العنتري تماما كما فعل ذلك من قبل بلبل عدن الشيخ أحمد عبيد قعطبي، رحمه الله وكثير من مشايخ الطرب والغناء اليمني.
اشتهرت أسرة الفنّان عبد القادر بامخرمة بالعلم والفقه والدين حيث أن أخاه الشيخ سعيد بامخرمة، رحمه الله تعالى، هو فقيه وعالم وإمام مسجد حمودي الكبير في جيبوتي وما زلت شخصيا أذكره جيدا حيث كان يراجع معي دراسة كتاب الله العزيز وعلوم الفقه والشريعة.. فقد كان معلّمي حتّى وإن لم أتعلّم منه إلاّ حرفا واحدا.. أليس كذلك يقول المثل؟.. وكم كان رحمه الله يحدّثني عن صداقتهم بأبي رحمه الله تعالى ويوصيني بأبي خيرا وأذكر جيدا كلماته: كن مثل أبوك وكفى.
ومن أسرته أيضا الشيخ الطيّب بامخرمة، إمام مسجد السيّد حسن في جيبوتي.. والشيخ الطيّب كان من أشدّ المعارضين للفنّان ولم يوافق على الغناء الذي كان ينظر إليه بنظرة عقائدية لا تخلو من التزمّت والتشدّد.
ومن أقرباء الفنّان وجيرانه ومحيطه الشيخ السيّد علي أبو بكر السقّاف، قاضي المحكمة الشرعية الكبرى في جيبوتي في ذلك العهد، والسيّد أبو بكر السقّاف هو من سلّمني بيمينه الشهادة الدراسية الابتدائية التّي كانت تراجع ثمّ تعمّد وتمهر بختم وزارة التربية والتعليم في الجمهورية العربية المتحدة. في تلك الأيّام كان للتعلّم والتعليم والتربية والأدب شأن وأي شأن. أيّام ليتها تعود! ولا أقول إلاّ ما قاله ابن هتيمل: لا الزمان كما عهدناه قديما .. ولا الديار الديار.
أحفظ في نفسي للفنّان بامخرمة صداقته القديمة بوالدي رحمه الله والذي كان أيضا من أصدقاءه الأوفياء صاحبه المرحوم صالح العنتري ومن جملة الفنانين الذين اجتمع بهم الوالد وبعض من أعمامي قد كانوا محمد جمعه خان والقعطبي وابراهيم سعيد وعلي الأعمى وغيرهم … رحمهم الله تعالى أجمعين.
أنوّه هنا، بأنّ المرحوم الفنّان بامخرمة قد كان من الفنّانين القلائل الذين التقيت واجتمعت بهم وعرفتهم عن قرب بل أنّه يكاد يكون الوحيد من قدماء مشاهير الغناء اليمني. وعندما دنى أجله وعند قرب وفاته رحمه الله، لم يتبقى له من أصدقائه الحميمين سواء اثنان هما ابن عمي علي بن عبد الله الحسين اليافعي رحمه الله والعمّ هايل سعيد مقبل، أطال الله بعمره حيث كانا هذان الاثنان من جلسائه المقربين. وقد سبقت وفاة ابن عمي وفاة الفنّان بأسابيع معدودة ليس إلاّ.
من ذكرياتي للفنّان بامخرمة، أنّه قدم في يوم من الأيّام من العام 1976م بصحبة العم هايل إلى منزل ابن عمي وكنت حاضرا.. وكما جرت العادة في جلسات المقيل، كنت أطرب لغناء الفنّان العم عبد القادر بامخرمة وهو يردّد على مسامعي أغاني العنتري الذي طالما كنت أسمعها وأشغف بها طربا من المرحوم والدي. وقد أصغيت السمع جيدا للعم بامخرمة وهو يتحدّث عن العنتري وفنّه وحكاياته وصداقته بوالدي. وأثناء الحديث، طلبت من العمّ بامخرمة فيما إذا كان بإمكانه أن يغنّي أغنية يا حمامي أمانه ما دهاك وهي من روائع العنتري التي لا تنسى، والغريب في الأمر أنّه بالرغم عن انتشار معظم أغاني العنتري على ألسنة معظم مشاهير الغناء اليمني في القديم والحاضر إلاّ أنّ تلك الأغنية لم تكن متداولة كغيرها حتى أتى الفنّان المرحوم محمد حمود الحارثي ليعيدها إلى أذهان النّاس وعلى مسامعهم مؤخرا.
ومن بعد طلبي تلك الأغنية من الفنّان العزيز بامخرمة أجابني: نعم أعرفها جيدا وأعرف لحنها لكنّني لا أحفظ كلّ كلماتها الآن.. فأسرعت بالقول: أنا أحفظها ياعمّ وباستطاعتي أن أكتب لك القصيدة كاملة.. فقال لي: إذن أكتبها يا نجد. فلم تسعني الفرحة وأخذت القلم والدفتر لأسجّل فيه أشعار يا حمامي أمانه ما دهاك.. وعندما انتهيت من كتابة القصيدة ناولت الدفتر للعمّ بامخرمة الذي تناول العود من ساعته ليطرب ويشجى الحضور بصبابته العذبة.
أعدكم بأن أرفع لكم هذه الأغنية قريبا، كنت أتمنّى أن تكون تلك الأغنية من جملة الأغاني التّي حضّرتها للفنّان البامخرمة، لكنّ عليّ البحث عنها بنبش عشرات الكاسيتا
سيرة وروائع: المرحوم الفنان
الشيخ صالح سعيد باعيسى
إنّا لله وإنا إليه راجعون
كم أشغلتنا هذه الدنيا وكثرة الأسفار والحلّ والترحال عن السؤال عن أناس وخلان أعزّاء كرام، لنفاجأ عند السؤال عنهم بأنهم تركونا ورحلوا. هذا ما تفاجأت به منذ يومين عند سؤالي عن الفنان صالح باعيسى من أصدقاء مقربين أجابوني بأنه قد رحل عنّا منذ زمن وتركنا. رحمك الله يا عم صالح قد قصّرنا في حقّك فسامحنا.
آخر ذكرياتي عن المرحوم تعود إلى أكثر من أربع سنوات تقريبا حيث ضمّ مجلسنا لفيف من الأصدقاء الأوفياء في إحدى ليالي الأنس في زاوية من زوايا سكنه المتواضع الكائن بحي الشرفية بجدة، وكنت وقتها قادم من سفر لأحطّ رحالي في فندق الحارثي بجدة الذي كان قريبا آنذاك من مسكنه يرحمه الله تعالى ويغفر له.. وما زلت أتذّكر آخر أغنية أشجانا وأطربنا بها آخر مشايخ الفن العريق والطرب الأصيل الا وهي: حبايبي رحلوا وانا من بعدهم قلبي رحل … وحيث ما حلّوا نصب خيمة على رملة وحل. ثم كان الوداع والرحيل! فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.! يرحمك الله رحمة واسعة ويغفر لك.
يشهد على شدّة تواضع المرحوم الوالد صالح باعيسى القاصي والداني. وإن شهادة حقّ أقولها في حقّه بأنه قد مرّ في حياتي أكثر من فنان سواء قديم أو معاصر إلاّ وكان يسمع الناس ما يحبّ هو أن يسمعهم إلاّ فناننا صالح باعيسى ـ غفر الله له ـ فإنه كان يسمع الناس ما يحبون هم سماعه منه. كان لا يردّ طلبا لأيّ واحد من عشّاق فنّه خائبا، وقد تصادف لي معه ذات ليلة أن طلبت منه أغنية قال بن هاشم أنا قلبي سلي وأيضا أغنية أشارت في المساء بدر التمام علما بأن هاتان الأغنيتان ليستا من أغاني الوالد باعيسى ومع ذلك فقد حاول أن يتذكّر بعض لأبيات منها ليتغنّى بها ويطربنا. رحم الله الوالد العطوف صالح باعيسى وغفر له.
ولد صالح سعيد باعيسى بالمكلا عام 1926. لم يقتصر دور الأستاذ صالح باعيسى على الفن وإنما أخرج أجيال كثيرة تتلمذت على يديه أثناء عمله في حقل التدريس. ومن مواطن زيارته وهجرته: الصومال، كينيا، الحبشة، جيبوتي، الإمارات العربية المتحدة وأخيرا المملكة العربية السعودية حيث وافته المنيّة رحمه الله تعالى فقضى نحبه في العام الماضي 2006…
لقد كان من اوائل المهاجرين إلى الصومال وجيبوتي والحبشة وكينيا.. وكنّا نستمع إلى أغانيه تخرج علينا بأنين الغربة وحنين الوطن. من ذا الذي ينسى تلك الأغنية الحزينة من صبابته وهي تشدو وتنوح:
أوّاه من حرّ نار الوجد أوّاه :: فآح

أستاذ القمندانيات والفنّ اللحجي والغناء اليمني
المطرب الفنّان الشيخ فضل محمد اللحجي
منذ بداية القرن الماضي كان الغناء الصنعاني واليافعي للحمينيات اليمنية الشهيرة هو السائد بين الناس في مجالسهم ومحافلهم وأعراسهم ومناسباتهم سواء في المبارز أو المخادر بالنسبة للرجال أو حتى في البيوت بالنسبة للنساء. وحتى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، لم يكن يغيب هذا اللون من الغناء في محفل ما من المحافل المقامة. وبقي الحال لم يتغيّر حتى قبيل منتصف القرن الماضي والسنين التي تلته إلى يومنا هذا، ما تغيّر هو أن دخل فعلا زائر غريب سرعان ما أحبّه الناس وعشقوه، ومن بعد، لم يعد الزائر زائرا لكنه غدا مقيما ومعشّشا في قلوب ووجدان الناس محتلا المكانة المرموقة واللائقة به، مسجّلا بريشة من ذهب فنّه الرفيع جنبا إلى جنب مع شقيقيه الصنعاني واليافعي. وظلوا الأشقاء الثلاثة يتبادلون المراكز على أنغام الكراسي الموسيقية.
لحج! لحج الغنّاء! لحج الخضيرة! لحج الحسيني!
من قصورها وبساتينها أطلّ علينا الأمير الشاعر أحمد فضل علي العبدلي (القمندان) والشاعر الثائر عبد الله هادي سبيت ومن فوق أشجارها غرّد مطرب لحج المشهور هادي سبيت وتلاه شيخ المطربين فضل محمد اللحجي وكذلك الشيخ محمد علي الدباشي والشيخ محمد سعد عبد الله.
أبهرت لحج اليمن قاطبة من حضرموت إلى صنعاء إلى عدن حتّى ظنّ الناس أن عصر الحمينيات الصنعانية واليافعية قد انقضى وأن نجم الحمينيات الصنعانية واليافعية على وشك الأفول إن لم يكن قد أفل. وتعصّب كلّ فريق مع فريقه وتفرّقت الفرق. حتى كاد أن يبلغ تعصبهم تعنصرا.. عندما قال الأمير الشاعر أحمد فضل علي العبدلي (القمندان) لمطرب لحج المشهور هادي سبيت والد الشاعر الثوري عبد الله هادي سبيت بدافع من تحيّزه للفنّ اللحجي:
غنّ يا هادي نشيد أهل الوطن ** غنّ صوت الدان
ما علينا من غناء صنعاء اليمن ** غصن من عقيان
… ** …
وأمام هذه العاصفة من الرياح اللحجية التي دخلت كلّ بيت في اليمن شمالا وجنوبا من الساحل حتى الجبل، ظلّت النخلة الصنعانية باسطة عسفها وباسق طلعها، مظللّة عشّاقها فتحنو عليهم بثمارها. لم يشتهر عن خلاف ما حلّ بين الحمينيات الصنعانية واليافعية كما هو الحال مع الحمينيات اللحجية، حتى أنّ الأمر تداخل بين الغناء اليافعي والصنعاني حيث لم تعدّ تفرق أو تميّز بين أيّهما هذا وأيّهما ذاك، فكلّ كسرة أو تحويلة في الأغنية الحمينية الصنعانية من إيقاعها البطيء إلى إيقاعها السريع يأتيك بلون يافعي ممزوج فيما تقدمه من الصنعاني.
ومن مسرّات الدهر أن قيّض في تلك الفترة للأغنية الحمينية الصنعانية واليافعية مطربون كبار من حضرموت وصنعاء وعدن وكذلك لحج من رفعوا شتّى ألوان راياتها وحافظوا عليها وتبادلوا أعلامها وأبقوها كما ورثوها وتوارثتها الأجيال حتى عصرنا.
إذ وقف نصيرا ومناصرا للغناء الحميني الصنعاني اليافعي:
من حضرموت: الشيخ علي أبو بكر باشراحيل والشيخ عوض عبد الله المسلّمي والسيّد عبد القادر عبد الرحيم بامخرمة…
ومن عدن: الشيخ محمد الماس وإبنه الشيخ إبراهيم محمد الماس وكذلك الشيخ أحمد عوض الجرّاش وشقيقه الشيخ علي عوض الجرّاش والشيخ أحمد عبيد القعطبي والشيخ صالح عبد الله العنتري…
ومن صنعاء: الشيخ قاسم الأخفش…
ومن لحج: الشيخ محمد علي الدباشي…
ومن القدماء المتأخرين نذكر الشيخ محمد سعد عبد الله (لحج) والشيخ محمد مرشد ناجي (عدن) والسيّد أبو بكر سالم بالفقيه (حضرموت) والشيخ محمد حمود الحارثي (صنعاء)
أمام هذا السيل من القادة والزعامات كيف لجيش أن ينهار أو يستسلم؟ مستحيل!
ولأن اليمن دار حكمة وأهلها أهل حكمة كمّا حدّث عنهم نبي الله ورسوله صلّ الله عليه وسلّم: الإيمان يمان والحكمة يمانية.
فقد اتفقا وتوافقا الطرفان المتنازعان بأن يقتسما الحفل على أن تكون الساعات الأولى من المقيل للغناء الصنعاني واليافعي يتلوه الغناء اللحجي واليافعي أيضا حيث علمنا أن الحمينيات القمندانية اللحجية لا تخلو من بعض المزج مع الالحان اليافعيّة كما كان الحال مع الحمينيات الصنعانية، فكثيرا ما أستعار الأمير الشاعر أحمد فضل العبدلي (القمندان) من الأنغام اليافعية والالحان ليصوغها على حمينياته الشهيرة إذ أنّ بحسب نظرة الأمير بأن لا خلاف بين الأغنية اللحجيّة واليافعيّة كما الحال مع الأغنية الصنعانية حسب نظره.
ومن مفارقات الدهر أيضا أن كلّ شيوخ وأساطين الطرب اليمنّي قديما وحديثا غنّوا بالصنعاني واللحجي واليافعي والحضرمي والعدني ولم يفرقوا بين لحنا وآخر أو يميّزوا نغما عن آخر.
حتى جاءت ضربة الأمير والسلطان والقمندان نفسه في رائعته الكلاسيكية المشهورة (هل أعجبك يوم في شعري أو كما عرفت واشتهرت بصادت عيون المها) بطيف من الألحان والأنغام اليافعية والصنعانية واللحجية المتداخلة ببعضها على حدّ سواء، ومع هذه الأغنية عادت اللحمة بين الاخوان.
ولم يكتفي التؤام الروحي أحمد فضل العبدلي وفضل محمد اللحجي بذلك حيث قاّم الفنان الشيخ فضل اللحجي شخصيا وبضربة معلّم باقية آثارها عندما غنّى واحدة من أعذب وأروع أغانيه (وا مغرّد) بلحنها الصنعاني الحميني المأثور والمتواتر، وبها تمّ الالتحام واشتّد وعاد الإخوة أخوة كما كانوا وشاء لهم القدر أن يكونوا. وبقيت ألحان اليمن وأنغامها من حضرموت ويافع ولحج وصنعاء وعدن درر منثورة ونجوم متلألئة في سماء اليمن والجزيرة والخليج.
ما جعلني استرسل في كتابتي عن تلك الحقبة من الزمن هو تعريف الناس عن الفترة الذي ظهر فيها شيخ الفنون اللحجيّة والأستاذ والمعلّم لكلّ من جاء بعده من الأجيال حتى عصرنا، إذ لا ينكر أحدا أستاذية الشيخ فضل محمد اللحجي على محمد صالح حمدون وفيصل علوي وصالح بوبل وغيرهم…
بزوغ نجما الامير الشاعر العبدلي القمندان والشيخ المطرب الفنّان اللحجي في سماء لحج كان لهما أعظم الأثر في إثراء التراث اليمني وتجديده وتحديثه دون المساس بأصالته وعراقته الحمينية المشهودة. فكما أنّ الأمير الشاعر أحتسب على شعراء الحمينيات المعاصرين كذلك الشيخ الفنان محسوب على مطربي الحمينيات المشهورين.
ولد الفنان الشيخ فضل محمد اللحجي في عام 1910 م في الحوطة محافظة لحج وهي المدينة الجميلة التي ولد فيها أيضا الشيخ محمد علي الدباشي وكذلك الشيخ محمد سعد عبد الله وكثير من أفذاذ وعمالقة لحج العظام، كما هو معلوم عن الأمير الشاعر أحمد فضل العبدلي (القمندان) إعجابه بالفنان فضل محمد اللحجي وتشجيعه له حيث أصبح وأضحى وغدا وأمسى الأمير الشاعر القمندان بالنسبة للفنان فضل اللحجي الأستاذ والمعلّم والمرّبي كما كان المشجّع المتعصّب لفنانه ومن مهّد له المسالك وأزاح عن طريقه كلّ أشكال العقبات التي تواجهه وجعل له حظوة في البلاط الأميري السلطاني لم ينلها فنان مثله وكان الأمير الشاعر العبدلي (القمندان) كلّ شيء في حياة الفنان الشاب خاصة في بداية حياته وفنّه بل ظلّ الأمير الشاعر بمواقفه تلك مع فنانه حتى مماته وقد بلغت معزّة ومحبّة الفنان فضل محمد اللحجي في قلب الأمير الشاعر درجة كبيرة حتى يذكر إسمه في قصائده التليدة الرائعة كما غدا الأمير الشاعر أيضا أحد أسباب شهرة الفنان بل أنه كان السبب الرئيسي فيما حقّقه الفنّان من مجد وحظوة وشهرة على أقرانه وقد كانت لموهبة الفنان الفذّة ونبوغ عبقريته في إجادته العزف على العود والكمان وغيرها من الالات الموسيقية إسهام كبير فيما بلغه من شهرة جاوزت حدود لحج إلى عموم محافظات اليمن من الجبل إلى الساحل بل غطّت شهرته أيضا مناطق واسعة من إفريقيا كجيبوتي والصومال والحبشة وكينيا.
من المستحيل فصل الشاعر الأمير أحمد فضل العبدلي عن الفنان الشيخ فضل محمد اللحجي إذ قلّما تأتي على ذكر الأمير الشاعر دون أن تذكر الشيخ الفنّان والعكس صحيح. كانا توأم لحج الروحي. ذاك الأب والمعلّم وهذا الإبن والتلميذ. وقد ذكر لي الأخ عبد الحميد عبد الرقيب محمد اللحجي ـ إبن شقيق الفنان فضل اللحجي ـ المقيم في لندن، نقلا عن أبيه عبد الرقيب شقيق الفنان بأن الأمير الشاعر هو من أخذ بيد الفنان وربّاه وعلّمه وسخّر له كلّ ما من شأنه رفع مكانة الفنان في وسطه الفنّي من توفير الاسطوانات والسماع إلى المطربين المخضرمين وتزويده بمختلف الالات الموسيقية وتقديم أبلغ وأجمل الأشعار إليه وترديد أعذب الألحان والأنغام بصوته. كان دائما ما يصحب الأمير الشاعر الفنّان إلى الأعراس والحفلات وبما أن الأمير نفسه كان يجيد العزف على مختلف أدوات الموسيقى فقد ساعد فنّانه على استخدامها وتعلمها.. وقد زوّجه الأمير الشاعر من ثلاثة نساء وقد أنجب الفنان ثلاثة من الأبناء، و كما جاء إسم أبيه الروحي ومربيه سمّى إبنه البكر أحمد ـ مقيم حاليا في المملكة العربية السعودية ـ قد التقيت بالأخ أحمد فضل اللحجي حيث جمعتنا الصدف مرّة واحدة في منزله الكائن بمدينة جدة مع بعض الأصدقاء، يعود ذلك اللقاء والاجتماع إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وليت اجتماعاتنا تكرّرت لكن الظروف حالت دون ذلك. أمّا إبنه الثاني فهو الأخ عبد الكريم الذي يقي
فنان كبير طمره النسيان كغيره من فناني اليمن الكبار، هو السيد شيخ عبد الله البار العيدروس (الدوعني)، الذي ولد ونشأ وترعرع وتوفي بجاوا ولم يعرف اليمن على الإطلاق. لكنه كان وعاء ممتلئ بالثقافة اليمنية، وعلاوة على تخصصه بالميراث الفني الحضرمي كالدان بأنواعه.. وسائر الألوان الحضرمية من هبيش لشبواني لبدوي وغيرها…كان يؤدي اللون الصنعاني واللون اليافعي والتهامي واللحجي والعدني… ومنوعات مختلفة من كلّ الألوان غناها المرحوم شيخ البار بكل كفاءة وإقتدار.
كان شيخ البار مطرب الجالية اليمنية الكبيرة في اندونيسيا واسطواناته الرائعة دليل على عظمة هذا المطرب العملاق الذي لا يقل من حيث الكلمة واللحن والأداء عن عمالقة مطربي اليمن ولكن بعده عن وطنه وإقامته الدائمة في أندونيسيا هي التي جعلت موسيقاه لا تنتشر في اليمن حتى غدا مجهولا عند العموم بل حتى عند بعض المطربين.
لصبابته بحّة ورقّة تميّزه عن الفنانين الآخرين، وللأسف الشديد أن تكون الروايات عن هذا الفنان القدير قليلة ومختصرة وشحيحة بل شبه معدومة إن لم تكن كذلك بالفعل، حتى أختلف على تدوين تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.. ربمّا يرجع ذلك إلى بعد الشقة والمسافات بين موطنه وغربته في أقصى الشرق.
وقد وافته المنية باكرا في غربته بعيد عن الأهل والأوطان وهو في شرخ الشباب، نسأل الله تعالى لشيخنا الفنان شيخ البار الرحمة والغفران.
نساه من نساه وذكره من ذكره، يظلّ الشيخ الفنان شيخ عبد الله البار العيدروس الدوعني في ذاكرة الزمن وفي قلوب محبيه بما حفظه للتأريخ من تراث وطنه الأصيل. يعتبر شيخ البار بحق ملك غير متوج وسفير فوق العادة للدان الحضرمي والغناء اليمني القديم في الشرق البعيد دون منازع أو منافس وهو يستحقّ بجدارة لقب بلبل الشرق.
ما أثلج صدري بحقّ هو ما ذكره أخ عزيز لي من محافظة صعدة بأن للفنان السيد شيخ البار العيدروس سمعة وصيتا لم ينل منها الزمن ولا حتى الفضائيات ، وممّا قاله لي ذلك الأخ الكريم في وصفه للفنان القدير شيخ البار :
- إن محدثك من تلك المنطقة ( صعدة )… كان الناس يتحلقون حول جهاز المذياع البدائي ليستمعوا لشيخ البار من إذاعة لندن أولا ثم من راديو عدن لاحقا … ولازالت ذكراه العطرة تتناول في مجالس السمر وحتى الساعة .. ويذكر أنّ لشيخ البار رصيد عال من الشعبية بمنطقة ( النظير - رازح من محافظة صعدة ) فكثيرا ما نسمع البعض يردد أغانيه ويتغزل بصوته وقوة آدائه ورقته وتدفق العاطفة الجياشة من خلال ذلك الأداء ..
وإنّ لعبقريينا الراحل شيخ البار وتأثيره بالساحة اليمنية وتفاعل الكثير معه سواء المنصفين أو الغير … ولعلي هنا أنوه عن الغير قبل المنصف … فالمنصف حالة جيدة لايمكن تتبعها لأنها تتأقلم والوضع بسهولة ولكنها تدخل التاريخ ..
شيخ البار صاغ لحنا أو ورثه ضمن سلة التراث التي رافقته … الشعر كان لعظيم آخر هو الشاعر الشهير يحى عمر اليافعي ، والقصيدة كانت :
إغنم زمانك ياحبيب إغنم * إغنم وعادك صغير السن طيشان
هذه الأغنية التي شرقت وغربت وغناها الخليجيين بعد أن حرفوا الكثير من كلماتها … غناها شيخ البار رحمه الله بطريقة لايمكن إلا أن تطرب حتى الجماد ناهيك بأهل الشعور بعدها جاء الفنان اليمني حمود زيد عيسى ليصيغ على لحنها كلمات أغنيته :
أخي المهاجر زمان الظلم قد ولى * وشعبك الحر شتت أسرة ألطغيان
وعدة الحان أخرى لشيخ البار تغنّا بها الفنان الراحل علي السمة … ومنها زليت في بطن وادي .. من الحان الهبيش التي أداها شيخ البار ليغنيها السمة ( ياعيوني شني الدموع الغزيرة ) … وكذلك سمعت الربابة وغيرها ..( دعوني دعوني ) ..
كان هذا بعض ممّا عبّر به الأخ العزيز من صعدة عن ذكرياته وذكريات منطقته وأهل مدينته في اليمن.
أمّا الأخ العزيز الأستاذ عمر عبد الرحمن الذي كرّس وقته وجهده في إعداد أبحاثه ودراساته عن حياة وفنّ هذا المطرب الأصيل، وهو الآن كما علمت منه بأنه قد أكمل كافة بحوثه وبصدد طبع كتابه الموثّق اذي آمل أن ينشر قريبا ليتحفنا بسيرة هذا الفنان القدير وبقية فنون اليمن قاطبة من الدان الحضرمي إلى الغناء الصنعاني.
.
وفي نبذة مختصرة عن سيرة الفنان يذكر لنا الأستاذ عمر بن عبد الرحمن بأن إسمه هو شيخ بن عبدالله البار ويضيف بعضهم الى اسمه كلمة الدوعني و ليس الشيخ البار و هو من مواليد عام 1908م في مدينة سورابايا بجاوا الشرقية بإندونيسيا انتقل جده العلامة / عمر بن عبدالله البار من مدينة الشحر بحضرموت الي قرية القرين بوادي دوعن حضرموت و له هناك حسب قول الرواة مكتبة عامرة بالكتب.
وللإنصاف أكثر فإننا نؤكد بأن لفن شيخ البار جذور تربطه بالوطن فإن كثيرا من الأغاني التي أداها أو وضع ألحانها كانت لشعراء من حضرموت بعضهم لم يزوروا شرق آسيا و لا تربطهم بها علاقات مباشرة بشرق آسيا مثل الشاعر الشعبي / مستور حمادي ( أغنية بديت بك) أو الإمام عبدالله الحداد ( أغنية نسيم حاجر) و أورد هذه المثالين للاستدلال فقط لا الحصر أو من أولئك الشعراء الذين يترددون على شرق آسيا بين الحين و الآخر مثل اشاعر / صالح الحامد ( أغنية قف معي نشهد جمالا) و الأمثلة على ذلك كثيرة إذا علمنا أن للبار خلال حياته اقصيرة ما يزيد عن سبعين أغنية مسجلة على الأسطوانات السوداء .
و اذا أمعنّا النظر في الأمثلة التي أوردناها لأدركنا أن البار قدم في مسيرته الفنية ألوانا من الغناء الحضرمي بل اليمني عموما اقتضى ذلك إلى طرق ألوان من الشعر الغنائي منها الشعر الفصيح المعروف في اليمن بالحكمي ( بفتح الحاء والكاف ) بألوانه الصوفي و غير الصوفي كما طرق باب الغناء الشعبي كالدان و الشروحات ( أغاني الرقصات) : الدحيفة – الغية – العدة - الهبيش و الزفين ( بني مغراه) الى آخر تلك الألوان من الموروث الشعبي ايمني ، و تناول في أدائها ألوانا من الشعر الشعبي المعروف بالشعر الحميني ( بضم الحاء و فتح الميم) . وبذلك فقد تمكن من ملئ الإحتياجات الوجدانية للمهاجرين اليمنيين عموما في المهجر أ

من جودة حمينيات الشيخ عوض عبد الله بو مهدي المسلّـــمي
ينحدر الفنان عوض عبد الله بومهدي المسلّمي من أسرة ميسورة الحال سيطرت الأمية على معظم أفرادها نتيجة التخلف آنذاك.
كان أخوه الأكبر عمر عبدالله بومهدي المسلمي شاعراً شعبياً له عدة أشعار مدونة ومساجلات شعرية في مجالس الأدب، وهو صديق حميم للشاعر الغنائي المعاصر حسين أبوبكر المحضار.
عندما بلغ عوض المسلمي حوالي الثانية عشرة من عمره أصيب بمرض الجدري أفقده نعمة البصر وحال دون تعليمه ولكنه لم ييأس فكانت تلك الحادثة دافعاً وحافزاً له في تنمية مواهبه الفنية فاستطاع أن يجمع بعض من أصدقائه في الحارة ويشكل منهم فرقة فنية آلاتها بدائية محلية الصنع وهي عبارة عن صفيحة فارغة وأوتار مشدودة في بعض المسامير أطلق عليها تسمية آلة العود، كما كانت هناك آلة السمسمية أيضاً، كانت هذه الفرقة تعزف بعض الألحان الحضرمية المشهورة التي وضعها المطرب المشهور«سلطان ابن الشيخ علي آل هرهرة».
لم يدر بخلد أحد من الناس أن يكون لهذا الغلام الضرير شأن آخر وأنه سوف يشار إليه يوما ما بالبنان حيث شاءت له الأقدار فيما بعد وجعلته واحدا من أبرز الأعلام في الغناء اليمني.
غادر إلى الخليج العربي على إثر خلاف حدث بينه وبين أخيه الأكبر، حيث مكث هناك ثلاث سنوات عاد بعدها إلى الشحر وهي المدينة التي نشأ وترعرع فيها وبعد أن قضى قرابة عام قرر المغادرة تحسباً لاشتداد الخلاف بينه وبين أخيه مرة أخرى، وفي هذه المرة كانت قبلته عدن حيث اتفق مع «الناخوذا» على نقله مقابل أن يكون مطرب الساعية طوال فترة الرحلة، وكان المسلمي يجيد العزف على السمسمية إجادة تامة.
كان وصوله إلى عدن عام 1928 وهناك تعرف على الفنان عمر محفوظ غابه الذي أعجب بصوت المسلمي ودقة أدائه فقرر اصطحابه في كل حفلة في المخادر*
* (المخادر (جمع مخدرة): كلمة اشتهرت في عدن وتعني المحفل أو المجلس ولكنّي أفضّل كلمة أخرى عنها أشتهرت هي الأخرى في عدن وتؤدي نفس المعنى الا وهي المبارز.. إذ أنّ المخادر هي أقرب إلى النساء منها إلى الرجال فدائما ما نسمع عن خدر النساء و خدر المرأة وللمرأة خدرها وللنساء خدرهن.. أمّا المبارز فهي أقرب إلى المذكر، إذ أن البروز والظهور للرجل والرجال.)
والمقايل كضارب على الدف والدربوجة وكان لايبخل على رفيقه بالتشجيع حيث كان يتيح له فرصاً كثيرة ويقوم بتعليمه على ضبط أوتار العود تمهيداً للبدء في تعلم العزف عليه وبالرغم من تتلمذ الشيخ المسلمي على يد الأستاذ عمر غابة إلاّ أن التلميذ أستطاع التفوق على أستاذه وسطع نجمه في سماء الفن سريعا كالبرق بل أنّه تغلّب على أستاذه غابة في اجادته لجميع الألحان المشهورة كالصنعانية واليافعية واللحجية والحضرمية بينما قليلا ما سمعنا للشيخ عمر محفوظ غابة الذي غلب على غناءه اللون

شيخ مشايخ طرق حاضر الغناء اليمني وقديمه وفارس فرسان الغناء الصنعاني واليافعي واللحجي والبدوي والصوفي
الأستاذ المرحوم الشيخ صالح عبد الله العنتري
***
***
ببسم الله مولانا ابتدينا *** ونحمده على نعماه فينا
توسلنا به في كلّ أمر *** غياث الخلق ربّ العالمينا
وبالأسماء ما وردت بنصّ *** وما بالغيب مخزونا مصونا
بكلّ كتاب أنزله تعالى *** وقرآنا شفاء للمؤمنينا
بكل طواف الأملاك ندعو *** بما في غيب ربّ أجمعينا
وبالهادي توسلنا ولدنا *** وكلّ الأنبياء والمرسلينا
وآله ومع الأصحاب جمعا *** توسلنا وكلّ التابعينا
وبالعلماء بأمر لله قربا *** وكلّ الأنبياء والمرسلينا
وحكما للامام القطب حقّا *** وجيه الدين تاج العارفينا
وذكر العيدروس القطب أجلى *** عن القلب الصفي للصادقينا
عفيف الدين محيي الدين حقّا *** له التحكيم معنا وبه ابتدينا
ونختم بالصلاة على محمد *** إمام الكلّ خير الشافعينا
كانت تلك من قصيدة الشيخ الصالح العيدروس تغنّى بها الشيخ المرحوم صالح العنتري وكما نسمع من القصيدة بدعاءه لربّه المستجيب ولم يغفل توسله إسما ونبيا ورسولا وملاكا وكتابا وصحبا وتابعا ووليا وفقيها وعالما الاّ أتى على ذكره ولمن أحب الإستماع إليها ففي هذا الرابط المباشر يجدها:
تنزيل أغنية ببـسم الله مولـنا ابتدينا
صالح عبد الله العنتري القادم من مدينة العلم والعلماء ومنارة الفقه والفقهاء، مدينة زبيد، مدينة الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.. تميّزت جلّ أغانيه بالتصوّف ، فقد غنّا من أشعار أئمة الصوفية أمثال الإمام العالم الزاهد عبد القادر الجيلاني والإمام الورع عبد الرحيم البرعي اليمني والشيخ الصالح العيدروس وأيضا لابن الفارض والحلاّج وبن عربي…
ومن المتأخرين فقد غنّا من أشعار الشيخ جابر رزق وغيرهم …
من تلك الأغاني تأتي روائعه التي لا تنسى: الف الحمد لك يا ذا العلا وكريم يا رحمـن و نعم نعم شكري لمولى النعم و بديت بك يا إلهي نجّنا و يا من عطاياه وفرّج الهم يا كاشف الغم وقف على الخضوع وناد ربّك يا هو إن الكريم يجيب من ناداه وببسم الله مولانا ابتدينا وغيرها …
قلّ ما تجد أغنية للعنتري لا تبدأ بـسم الله وبحمده تعالى
وتنتهي بالصلاة على نبي الله صلّ الله عليه وسلّم وآله وصحبه رضوان الله عليهم.
يمتلك العنتري صبابة ذهبية في صباه وشبابه، كلّ من عاصروه يشهدوا له بذلك وأنّه أحسن من أجاد الغناء الصنعاني الحميني وكافة الألحان الأخرى. عندما آتي على ذكر الغناء الصنعاني فإنّي أقصد به الغناء الصنعاني الحميني القديم. والعنتري قد غنّا كافة فنون مدن وقرى اليمن وأجاد في كلّ ما غنّى به من الصنعاني الحميني (رضاك خير من الدنيا وما فيها وكذلك ما وقفتك بين الكثيب والبان وغيرها بالعشرات و اليافعي العمري (رحمـن يا رحمـن و طاهش من الطهوش وكذلك يا رازق الطير بالريش والحيتان في البحر والوحوش وأخريات) و الشرح والدان الحضرمي (قال بن هاشم وبدر التمام وغيرها وهذه الأخيرة تميل إلى الألحان اليافعية) و اللحجي القمنداني (ناعس القامة وحالي يا عنب رازقي وما يطفي الظما) و العولقي، ومن ذا لم يسمع بمشهورته الكلاسيكية:
شدّت جمال العوالق ريتني عولقي
يا ريت لي حصن في ذاك الجبل يبتني
يا ريت مولاه با يبيعه وانا باشتري
شفنا قبيلي وشيخي بن حمد السنـدوي
يا ريت ما نا قبيلي ريتنا الاّ صبي
شاشل صميلي وشاروّح مع الأولي
يالقبيله على باصـره سعيـد انشـدي
وعلى ابراهيم وصالح يالرشيد احزني
ومحمد بن سعيد ذي يهتري من بايجي
ولا فزع من الموت قد لاقاه لا خوعلي
وتقابلوا بالحديـد الرطـب لمـا روي
وبيت الذيب في شعفور يعوي عـوي
ياريت للراس راحه وسط وادي النبي
المبعد باشوفه ومن حدّر ومن بايجـي
يالله عسى في مجيئك في السلب محتبي
بانجني المـوز والرمـان والمغربـي
لمن أحبّ السماع إلى هذه الأغنية إليه الرابط المباشر بها:
والشيخ العنتري غنّا بالأهازيج الجبلية اليمنية في أهزوجته:
الا! اليوم جمعة فضيلة والصلاة ما صليت..الا! مديت ايدي والشلول ما شلّيت.
أبدع الشيخ العنتري كثيرا عندما أدمج الألحان الهندية بالأشعار العربية فهو أولّ من غنّا لأمير الشعراء أحمد شوقي بك:
منك يا هاجري دائي .. وبكفيك دوائي..
أنت إن شئت نعيمي .. وإذا شئت شقائي ..
يا منى روحي ودنياي .. يا رسولي ورجائي
وغنّا له أيضا:
علموه كيف يجفو فجفا.. ظالم لقيت منه ما كفى..
وأيضا له:
خدعوها بقولهم حسناء .. والغواني يغرهّن الثناء ..
اتقّوا الله في قلوب العذارى .. فالعذارى قلوبهن هواء ..
جاءت أغانيه تلك بألحان هندية عذبة. وللشيخ العنتري أغاني عديدة باللهجة السواحلية الافريقية كما غنّا بالصومالية والعفرية وقد أدخل اللحن السواحلى على بعض من أغانيه العربية كأغنيته:
الا كذاب من قال.. الا أرض الحبش بطّال..
الا شيبه وعاده.. وقلبه طلب مثقال ..
كما أنه كان له السبق في إدخال الألحان المصرية والكويتية على الحمينيات مثال على مصريته في الأغنية:
يا بو العيون السود.. يالّلى جمالك زين.. وين والله وين…
ومن عبقريته الفذّه أنه كما قد أسبغ الألحان الهندية والسواحلية وغيرها على الأشعار العربية فإنه أيضا غنّا لكبار شعراء الوطن العربي أمثال شوقي وعلى محمود طه والجارم وجبران وإيليا أبو ماضي بألحان صنعانية حمينية قديمة كما جاء في أغنيته: كن جميلا ترى الوجود جميلا للشاعر الكبير إيليا أبو ماضي جاء فيها:
أيهذا الشاكي وما بك داء..كن جميلا ترى الوجود جميلا
والذي نفسه بغير جمال..لا يرى في الوجود شيئا جميلا
قل لقوم يستنزفون المآقي..هل شفيتم مع البكاء غليلا
ما أتينا إلى الحياة لنشقى..فأريحوا أهل العقول، العقولا
كلّ من يجمع الهموم عليه..أخذته الهموم أخذا وبيلا
في هذه الأغنية الكثير من الحكم المأثورة والأمثال المتواترة:
فإلى من أحب الإستماع إليها بصوت العنتري الشجي إليه رابط الأغنية المباشر:
تنزيل أغنية كن جميلا ترى الوجود جميلا
خلّف لنا الشيخ صالح العنتري من بعده كثير من التراث القائم حتى يومنا هذا وقد أطلقت عليه لقب شيخ مشايخ طرق الغناء اليمني كما أستحقّ قديما لقب أستاذ الغناء الصنعاني الحميني، على يديه تتلمذّ من أصبحوا بعد ذلك أساتذة الفنّ ومشايخه أمثال المرحوم الشيخ أحمد عبيد قعطبي والمرحوم عبد القادر بامخرمة والمرحوم إبراهيم سعيد وقد تأثر به الكثيرون أمثال الشيخ الماس والشيخ الجرّاش والشيخ المسلّمي وغيرهم. كما تعلّم على يديه العزف على العود وتقليده بالغناء والدي وأخيه عمي عبد الله يرحمهم الله تعالى جميعا، إلاّ أن هذان الأخيران لم يسلكا طريق الفن فقد أشغلهما سعيهما وراء لقمة العيش وتربية وتعليم الأعداد من أبنائهما.
عرف عنّ الشيخ صالح العنتري بأنه دائما ما يزيد في أبيات القصيدة من عنده لكثرة ما قرأ للشعراء وأشعارهم.
وهذه بعض من أبيات تلك القصيدة المأثورة رضاك خير من الدنيا كما جاءت في أغنية الشيخ العنتري:
لا تسلُكن طريقاً لست تعرفها ….. بلا دليل فتغوى في نواحيها
روح المحب على الأحكام صابرة ….. لعل مسقمها يوماً يداويهـا
ما يعرف الشوق إلا من يكابده ….. ولا الصبابة إلا من يعانيهـا
ولا يعرف الشيء إلاّ من يجربه ….. ولا يجوز شاهد الا من يزكيها
ولا يضمّ السريرة غير ساترها ….. ولا الأمانات إلا من يؤديها
ولا ينام مستلذا من به قلق ….. والنار ما تحرق إلا رجل واطيها
وامّا الذي باللوح قد كتبت ….. إن لم أتتك والاّ أنت آتيها
من الواضح هنا ما قام به الشيخ العنتري من تعديل في بعض الأبيات وإضافة أبيات أخرى لم تحتويها القصيدة.
لمن أحبّ سماع أغنية رضاك خير من الدنيا بصوت الشيخ العنتري هنا رابطها المباشر:
تنزيل أغنية رضاك خير من الدنيا وما فيها
عندما أطلق على الشيخ العنتري ووصف بأستاذ الغناء الصنعاني الحميني فإن ذلك الوصف لم يأتي من فراغ ولكنه بني على قاعدة من صلب أسّسها المرحوم نفسه بما خلده من روائع صنعانية حمينية تغنّى حتى اليوم، منها على سبيل المثال لا الحصر: ما وقفتك بين الكثيب والبان ويا حمامي أمانه ما دهاك و الشوق أعياني و لي في ربا حاجر و أرفق وخلّي الملام و أنعم لنا بالوصل ورضاك خير من الدنيا وما فيها وكم .. وكم كم من كلاسيكيات محفوظة في ذاكرة الزمن لا تنسى. وعلى ذكر أغنية رضاك خير من الدنيا وما فيها، ذهب الكثيرون من الناس إلى نسب لحنها إلى المرحوم الشيخ أحمد عبيد قعطبي، لكنّ الأصّح والأوثق أنّ لحنها يرجع إلى أستاذه الشيخ صالح عبد الله العنتري..
وللأسف الشديد على هذه الأغنية الحمينية الجميلة فلا يعرف من شاعرها .
قد استمعت إلى الكثيرين ممّن غنّوا أغنية جلّ من نفس الصباح ولكن باعتقادي أن الشيخ العنتري قد أبدع في غناءها أيّما إبداع عندما شلّ بالصوت:
آح من الحبّ الف آح..لا طلع لي ولا يزيد
وانت وا حامل السلاح..ما معك تحمل الحديد
تأخذ الأعين الصحاح..وا
لأوّل مرّة على الشبكة العنكبوتية (NET )
يتمّ التعريف بهذين الفنّانين المشهورين جدا من قدم
كما يتمّ الإستماع إلى تراثهما عبر النت.
الفنّان المرحوم الشيخ إبراهيم سعيد سالم
الشيخ المرحوم إبراهيم سعيد هو أوّل فنّان يمني عرفه القرن الإفريقي وخاصة جمهورية (جيبوتي) الذي عاش ومات ودفن فيها، رحمه الله، بل أنّه كان المطرب الوحيد الذي سبقت شهرته شهرة الفنّان المرحوم السيّد عبد القادر بامخرمة.
كيف لا وقد تعلّم منه البامخرمة الغناء والعزف على العود، فالشيخ إبراهيم سعيد هو معلّم البامخرمة على العزف والغناء ولم ينكر البامخرمة بل دائما ما صرّح بذلك وأعلم به أصدقاءه وجلساءه.
يرتبط الشيخ إبراهيم سعيد برابط الرحم والمصاهرة بالشيخ المرحوم صالح عبد الله العنتري الذي تزوج من أخته.. وبتصريحات للشيخ إبراهيم سعيد عن الذي علّمه العزف والغناء فقد أفاد بأن للعنتري الدور الأوّل والأكبر في ذلك حيث أنّه من ذلك الشيخ العملاق قد استسقى واغترف علوم الفن والعزف والغناء.
وكما هو معروف فقد كان للعنتري فضائل كثيرة على معظم فناني القرن الإفريقي وخاصة جيبوتي وضواحيها وكذلك عدن أبّان عصرها الذهبي وعموم مناطق اليمن.
وقد تخرج من مدرسة العنتري مشايخ الغناء اليمني القديم والمعاصر ومن الذين تعلموا منه أو قلدوه في فنّه أو تأثروا به كان المشايخ: القعطبي والمسلمي والحارثي والبامخرمة وابراهيم سعيد وسواهم، رحمهم الله جميعا وغفر لهم.
بعض من الأغاني الخالدة للشيخ إبراهيم سعيد سالم
وهي كما ذكرت سلفا ترفع وتسمع لأوّل مرّة على النت:
1.- يا

بادئ ذي بدء، أتقدّم بالشكر الجزيل للأخ والصديق العزيز أيمن زيلع الذي أوحى إلي بهذه الفكرة حيث وضع بين يدي مجموعة ثقافة الموسيقى في الحضارة الإسلامية وهي مجموعة تتكوّن من 15 مجلّد معنيّة بتعريف الموسيقى في الحضارة الإسلامية على مدى 15 قرن للأجيال في الغرب. وقد غطّت هذه المجموعة من الكتب مختلف جوانب الثقافة الموسيقية في عصور الإسلام المتفرقة شملت مختلف القوميّات من عرب وفرس وترك ومماليك وبيزنطيين وزنوج، الخ…
و أصالة عن نفسي ونيابة عن جميع الأصدقاء أتوجه بالشكر والتقدير لأخي العزيز أيمن زيلع الذي قدّم لي كافة المستندات الضرورية المساعدة في البحث والدراسة حتّى أباشر الموضوع وترجمته وإعداده وتقديمه بالصورة اللائقة.
ركّزت جلّ اهتمامي في ترجمة مقتطفات مهمّة من المجلد (11) الحادي عشر الخاص باليمن وثقافة الموسيقى والغناء اليمني. وكما سلف لي القول بأنّ هذه المجموعة الثقافية الموسيقية في العصور الإسلامية المختلفة قد احتوت على 15 مجلد و 17 اسطوانة ممغنطة في الموسيقى والأغاني شملت على 271 أغنية من مختلف البلدان الإسلامية.. تمّت تسجيلات تلك الأغاني في البلدان التالية: مصر، اندونيسيا، المغرب، تونس، تركيا، اليمن، باكستان، قطر وإيران.
كذلك أرفع لكم الأغنيات اليمنية السبع بتسجيل عال، واضح ونقي كما وصلت إليّ وهي تسجيلات ستديو أوريجنال وتتميّز بالنقاء والوضوح عن السي دي، لذا جاء حجم كل أغنية كبير جدا عمّا تعودتموه من أغاني النت والسبب الذي جعلني أبقي على تحميلها كما ما جاءت من مصدرها هو عدم المسّ والتغيير بجودتها وأصالتها.
من خلال قراءتي السريعة لعموم تلك الكتب تبيّن لي التالي:
ـ بروز اسم قطر في مرحلة من مراحل تلك الوثائق وربما تكون التسجيلات المرفوعة من قطر تخصّ كتيب غناء شبه الجزيرة العربية وهو المجلد الرابع، كما قد يعود سبب تخصيص قطر واختيارها بالرغم عن صغر حجمها تبنيها إعلاما عربيا وعالميا ضخما ومميّزا ليس أقلّه قناة الجزيرة المتطورة والمزدهرة وبقيّة أخواتها حيث أصبح لقطر الآن دورا بارزا وفعّالا أهمّه في الإعلام وكذلك في السياسة.
ـ وجدت أنّ ثلث هذا المشروع الثقافي الموسيقي الضخم قد قام على تغطية الدور الصوفي في الأشعار والموسيقى حيث نكتشف أن خمسة مجلدات من أصل 15 مجلد قد أسهبت في الحديث والتعريف بالثقافة الموسيقية الصوفية وأعتقد بأنه ليس في ذلك اكتشاف ما بقدر ما أنه أمر واقع.. فمن دعائم الصوفيات تشكلت قواعد وأسس مختلف الغناء في جميع الأقطار سواء العربية منها أو الإسلامية.. إذ أنه من رحم الصوفية ولدت الحمينيات والأندلسيات وغيرها من الفولكلور الشعبي.. وإلى عهد قريب بل أنه حتى إلى اليوم ما يزال للصوفيّات تأثيرها على الغناء في اليمن والمغرب والسودان وتركيا واندونيسيا وإفريقيا.. ففي مصر مثلا، ما يزال عهد حجازي والحامولي وعبد المطلب وسيد درويش وأبو العلاء محمد و زكريا أحمد باق حتى اليوم، نفس الشيء ينطبق على بقية الأمصار وعلى رأسها اليمن. قد أسهبت تلك المجلدات الخمسة بالتعريف بمختلف الألوان الصوفية كما جاء ذلك في المجلّد الخامس (الصوفية في المغرب) والمجلد التاسع (المولوية والدراويش) والمجلد الرابع عشر (تركيا والصوفية عبر العصور) والمجلدين السابع والثامن (الأندلس) و (تونس) ويكاد أن لا يخلو مجلدا من ذكر ما عن الصوفية وارتباطها بالحضارة الاسلامية.
ـ بالرغم عمّا جاء في هذا المشروع الثقافي في الموسيقى العربية والإسلامية من أعمال ووثائق ضخمة إلاّ أنّه يظلّ قاصرا وغير مكتمل.. حيث أنّه قد زاد من عجبي واستغرابي: كيف ينبغي لمثل هكذا مشروع أن يغفل عنّ عنصرين مهمين في الثقافة الموسيقية أبّان الحضارة الإسلامية الزاهية منذ نشأتها وحتى اليوم.؟ أين الشام.. أولى ممالك هذه الحضارة العظيمة؟ ثم أين العراق.. ودوره المهم منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.. عراق معبد والموصلي.. عراق بغداد والرشيد.. عراق النحو والصرف واللغة.. عراق العلم والترجمة والكتب والموسيقى.. عراق ألف ليلة وليلة.. عراق كلّ شيء تقريبا.؟ هذا المشروع يظلّ ناقصا ما لم يطور إخراج مشروعه التالي بإضافة هذين العنصرين الحيويين. حسب ما أظنّ بأن السبب يعود للأحداث الحاصلة في العراق خلال العقد الجاري وسابقه وحتى اليوم وهي الفترة التي تمّ فيها إعداد وتقديم هذا المشروع.
أصحاب الفكرة والمشروع:
- الأستاذة ميشيل زاخم صاحبة نظرية مشروع فنون (خيمة المجتمعين) - مجتمع الموسيقى -.
- الأستاذ إيكارت راهن والذي أستلهم واستوحى عمله من مشروع الأستاذة ميشيل زاخم في تسجيل أكثر من 200 أغنية في 9 بلدان من 3 قارات مختلفة.
- البروفيسور مارجرت كرتومي الخبيرة البارزة في ثقافات موسيقى الشرق وفنون اندونيسيا خاصة.
- الموسيقار البارع والفنّان النيوزيلندي الفذّ دافيد بيرسونز وهو صاحب إنتاج هذا المشروع الضخم.
بالطبع هناك أسماء كثيرة شاركت في عمل هذا المشروع سوف توضح لكم من خلال الرابط العام في أسفل الموضوع.
أمّا عن المصادر والمراجع والفهارس التي أستند إليها المشروع فهي بحقّ عديدة وكثيرة كما تظهرها الصورة التالية وقد أرفقت لكم في فصل الوثائق من هذا الموضوع جميع المستندات الموثقة كما ذكرت.

1 – مصر
2 – بدو جنوب سينا
3 – النوبة
4 – شبه الجزيرة العربية
5 – الصوفية ـ المغرب
6 – المغرب
7 – الأندلس
8 – تونس
9 – الصوفية مولوية الدراويش
10- ترتيل القرآن المجيد
11- اليمن
12- إيران
13- باكستان
14- تركيا ـ الصوفية عبر العصور
15- إندونيسيا وغرب جزيرة سوماطرا
مرفق مع تلك المجلدات عدد 17 قرصا ممغنطا يحتوي على 271 أغنية عالية الجودة.
لمحة موجزة عن المجلد الحادي عشر الخاص بالغناء اليمني وفنونه وقد حمل عنوان الثقافة والموسيقى في اليمن، حيث يطيب لنا التنويه عن الدور المهم والعظيم، الذي قام به الطبيب والبروفيسور والباحث الموسيقي اليمني الكبير، مشكورا، الدكتور نزار نجل الأديب والمثقف اليمني الكبير المرحوم الدكتور محمد عبده غانم، في إخراج هذا الكتاب وإحضار الفنانين اليمنيين من مختلف المناطق في داره الخاصة في مدينة صنعاء القديمة حيث تمّت تسجيلات جميع الأغاني في منزله بنقاوة صوت ستوديو يفوق نقاوة وصفاء سي دي عادي أو أصلي وقد استضاف الدكتور نزار غانم أصحاب المشروع جميعا كما استضاف أولئك الفنانين الذين أبدعوا بالغناء في إظهارهم لمختلف ألوان وألحان الغناء اليمني من صنعاني وحضرمي ويافعي وعدني وتعزّي وأبيني… الخ.
وبالنسبة للموضوع الخاص بالغناء اليمني فقد شارك فيه كلّ من:
- المنتج: الموسيقار العالمي دايفيد بارسنز
- المنتج المساعد: كاي بارسنز
- مساعد الانتاج: د. نزار غانم
- مدير الانتاج التنفيذي والمخرج: إيكارت راهن
- مايسترو الموسيقى الرقمية: دون بارتلي
- الاستديو الرقمي: سيدني ـ استراليا
- التصنيع للأقراص الممغنطة: المانيا
- منظّم الحفل: براندون مكشاري ـ القنصلية البريطانية في صنعاء، اليمن و ماثيو كوريان ـ فندق تاج سبا في صنعاء، اليمن.
- الجلسات الفنية والتسجيلات: منزل الدكتور نزار غانم ـ صنعاء القديمة.
- وضع نوتات الموسيقى: البروفيسور الدكتور جورجن السنر
- المصوّر: كاي بارسنز
المقدمة:
لقد استغرقت أبحاثنا ودراساتنا عشر سنوات للوصول إلى تقارير موثقة عن تطور الموسيقى والأدوار التي لعبتها في عصر الحضارة الإسلامية في مصر ، المغرب ، تونس ، تركيا ، اليمن ، باكستان ، اندونيسيا ، إيران وقطر… تمثّل أشمل الوثائق السليمة والصحيحة المتاحة للغربيين حتى الآن عن حضارة الإسلام الذي يعود تأريخها إلى 622م. ورغما عن القواعد الصارمة الحاكمة لأربعة عشر قرنا، فانّ هذا لم يمنع أرباب هذه الحضارة العظيمة من بسط نفوذهم ونشر ثقافتهم على العالم بأسره، والاتصال كذلك مع ثقافات الشعوب والأديان الأخرى قد أثرت بشكل جذري على مدى التاريخ الإسلامي في الموسيقى.
الفنّان الشيخ سعيد ناصر العميري
لم تحتضن مدينة خارج محيط اليمن أو بلاد غير اليمن كما احتضنت جيبوتي الواقعة على البحر الأحمر في القرن الإفريقي وحفظته في تأريخ شعبها من التراث اليمني في الغناء والموروث الموسيقي والثقافي اليمني حتّى العادات والتقاليد اليمنية.. لا تبعد سواحل جيبوتي عن سواحل اليمن سوي بضعة أميال.. وهناك تداخل بين الشعبين وترابط بين الثقافتين يصعب التفريق بينهما وقد زادتهما تلاحما ما جرى من دمج في النسب والصهر والرحم.
في زمن مضى أطلق على جيبوتي عدن الصغرى.. ذلك، لمشاركتها عدن (درّة المدائن) في زمن مضى ولم تزل، وللمساهمة الفعّالة معها في حفظ تراث الغناء اليمني من لحج إلى حضرموت ومن صنعاء إلى عدن وإبراز عدد من الفنانين اليمنيين الذين شكلوا آنئذ مدرسة للفنون اليمنية تخرّج من فصولها معظم الفنانين المشهورين في الجزيرة والخليج حتّى قام بتقليد تلك الطريقة فنانون كبار من بلاد الشام.
إلى جانب ما أنجبه اليمن في حدائق عدن الغنّاء من مشايخ الغناء اليمني من أمثال: (علي بو بكر والماس والعنتري والقعطبي واللحجي والجراش والمسلمي وغابة ومحمد جمعه خان ومحمد سعد عبد الله ومحمد مرشد ناجي … وغيرهم من أساطين الغناء اليمني).
كذلك حملت سواحل جيبوتي وأنجبت من اليمن مشايخها السبعة المشهورين: (إبراهيم سعيد وسعيد الأعمى والمعنى وبامخرمة وعثمان علي عثمان والعميري وعلي إبراهيم…).
الفنّان سعيد ناصر العميري..
قبل الشروع في طرح سيرة المرحوم بإذن الله تعالى الفنّان الشيخ العميري، أحبّ التنويه بالشيخ صالح العنترى الذي يعتبر بحقّ الملهم والأب الروحي لفناني جيبوتي قاطبة من أسّ الهرم إلى ساسه حيث قد اتبع طريقته ونهج بمنهاجه وسار مقلدا له في حياته ومن بعد وفاته، رحمه الله، كلّ عمالقة الغناء المشهورين بدون استثناء.
قد كانت مجالس الفنّ في جيبوتي صورة طبق الأصل ولا تختلف عن مجالس الفنّ في عدن: (المخادر، المبارز، الأعراس، المناسبات… ثم الإذاعة بعد افتتاحها.)، وقد عرفت تلك المجالس، خاصة في جيبوتي، التحزّب وأحيانا التعصّب.. أي أنّ لكلّ فريق حزبه وجمهوره ولكلّ حزب من الأحزاب فنانيه ومطربيه.. وكلّ فريق من الفرق متعصّب لحزبه.. وهذا ما جعل من تلك المنافسة الحامية مصلحة للجمهور الفنّي في تحقيق تطلعه وتذوقه واستمتاعه بأجمل الفنّ والغناء والطرب.
كان هناك حزب البامخرمة وأعضاءه وجمهوره المشجّع له كما كان هناك حلف المعنى بحلفائه وأيضا عثمان علي عثمان الذي أنضم إليه كبار الأساتذة من الفنانين وعلى رأسهم سعيد العميري وعلي إبراهيم.
يطلق على اليمنيين في جيبوتي خاصة الذين ينتسبون منهم إلى تهامة اليمن (المخا، زبيد، بيت الفقية، الحديدة، المراوعة وكافة المدن على الشريط الساحلي في اليمن) ويوصفون بـ (الحكم)، والحكمي يعود إلى قبائل مشهورة في اليمن حيث أخرجت إلى النّاس فقهاء وعلماء ولم تزل تلك المناطق إلى زمن قريب ترفد اليمن والجزيرة العربية بالفقهاء والعلماء الذين ما زالوا يوفدون من تلك المناطق حتّى اليوم.
سكنوا (الحكم) في منطقة حنبلي أو حمبلي في جيبوتي وقد اشتهروا ببساتينهم الغنّاء التي تزرع مختلف الخضروات من بصل وثوم وكرات وفجل وبقول وكذلك من الفواكه المتنوعة.
من هذه البيئة التليدة طلع علينا فناننا الشيخ سعيد ناصر العميري..
غنّى الشيخ العميري مختلف الألحان اليمنية التراثية من حضرمية وصنعانية ويافعية ولحجية وعدنية وتهامية..
وإنّي أعتبره بحقّ أفضل فنّان غنّى اللون التهامي وأجاده باقتدار فائق لا ينازعه في جودة (تهامياته) فنّان آخر.
…
إنّه من دواعي سروري وسعادتي أن أتقدّم بالشكر الجزيل والتقدير العميق، بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن القرّاء الأعزاء، إلى أخي العزيز الأستاذ الشعيبي على ما أتحفني به من سيرة هذا الفنّان العملاق مذ تأريخ ولادته حتّى وفاته مرورا بنشأته حيث عرّج على مختلف محطّات مسيرة حياته الشخصية والفنية..
ألف شكر أخي الحبيب الشعيبي، وها أنا فيما يلي، أقدّم سيرة هذا الفنّان الفذّ كما دوّنها الأخ الغالي الأستاذ الشعيبي:
سجّل الأستاذ الشعيبي في مذكراته عن المرحوم الفنّان الشيخ سعيد ناصر العميري حيث ذكر أنّ الفنان الراحل سعيد ناصرعلي العُميري ولد في جيبوتي عام 1932م من القرن المُنصرم وإنّه يعود بأصوله وجذوره إلى منطقه المراوعه القريبة من محافظة الحُديده.
لقد كان والد الفنان سعيد العُميري الحاج ناصر علي العُميري حريصاً على أن يتلقى ابنهُ سعيد العِلم في أحد دور العلم المشهورة في اليمن، لذا عزم على السفر يرافقه ابنه إلى اليمن حيث أسكن ولدهُ الصغير في بيت الفقيه- مدينه









